شرح
راوي أحاديث أهل البيت ( عليهم السّلام ) والناظر في حلالهم وحرامهم ، والعارف بأحكامهم ، وهو يصدق بالنظر في جملة معتدّ بها من المسائل ومعرفة شيء كثير من أحكامهم ، وعليه فلا دلالة لهذه الرواية أيضاً على اعتبار الاجتهاد المطلق أصلاً .
ثمّ إنّه ربّما يقال : بأنّه يعارض المقبولة في نفس موردها حسنة أبي خديجة المعروفة المتقدّمة أيضاً ، المشتملة على قول أبي عبد الله جعفر بن محمّد الصادق ( عليهما السّلام ) : « إيّاكم أن يحاكم بعضكم بعضاً إلى أهل الجور ، ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا فاجعلوه بينكم ، فإنّي قد جعلته قاضياً فتحاكموا إليه » « 1 » .
نظراً إلى أنّها تدلّ على أنّ العلم ببعض أحكامهم وقضاياهم كاف في باب القضاء ، لظهور كلمة « من » في التبعيض ، ولا يمكن أن تكون بيانية ؛ لأنّه مع مخالفته لظاهر مثل هذا التعبير كما هو غير خفي يلزم على هذا التقدير أن يقال : « أشياء من قضايانا » أو بنحو الجنس كما في قوله تعالى * ( فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثانِ ) * « 2 » .
وبالجملة :
لا مجال للمناقشة في دلالة الرواية على كفاية العلم بالبعض نظراً إلى كلمة « من » . ولا فرق من هذه الجهة بين ما ورد على طريق الشيخ في التهذيب « 3 » من قوله : « من قضايانا » وما ورد على طريق الكليني « 4 » والصدوق ( قدّس سرّهما ) « 5 » من قوله : « من قضائنا » . ضرورة أنّ كلمة « القضاء » بنحو الإفراد لا ظهور فيها في خصوص الحكم في مقام الترافع ، بل هو بمعنى طبيعة الحكم وماهيّته ، فالاختلاف بينه وبين قوله : « قضايانا » إنّما هو في الإفراد والجمع كما هو غير خفي . وبالجملة : فالحسنة تعارض المقبولة بحسب الظاهر .
ولكن مقتضى الجمع العرفي بين الروايتين بعد عدم ظهور المقبولة في اعتبار المعرفة بجميع الأحكام كما عرفت ، وعدم دلالة الحسنة على تقدير التبعيض أيضاً على كفاية مجرّد العلم ببعض الأحكام ولو واحداً أو اثنين ؛ لأنّه مضافاً إلى عدم المناسبة حينئذٍ بين الحكم والموضوع ، ضرورة أنّ مجرّد العلم بحكم واحد لا يوجب
هامش
« 1 » الوسائل كتاب القضاء أبواب صفات القاضي الباب الأول ح 5
« 2 » سورة الحجّ : 22 / 30 .
« 3 » التهذيب : 6 / 219 ح 8 .
« 4 » الكافي : 7 / 412 ح 4 .
« 5 » الفقيه : 3 / 2 ح 1 .