شرح
وقد تحصَّل من جميع ما ذكرنا عدم تمامية الاستدلال بآية السؤال أيضاً .
ثمّ إنّ هناك آيات دالَّة على النهي عن التقليد عموماً أو خصوصاً :
أمّا الطائفة الأُولى ، فهي الآيات الناهية عن العمل بالظنّ واتّباع غير العلم .
وأمّا الطائفة الثانية ، فكقوله عزّ من قائل حكاية عنهم * ( إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ ) * « 1 » وقوله تعالى * ( وإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ الله وإِلَى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْه آباءَنا أَولَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً ولا يَهْتَدُونَ ) * « 2 » وقوله تعالى * ( وإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ الله قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْه آباءَنا أَولَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً ولا يَهْتَدُونَ ) * « 3 » .
والجواب عن الطائفة الأُولى ، أنّها لا تدلّ على حرمة التقليد وعدم حجيّة فتوى المجتهد ، ولا على النهي عن اتّباع شيء من الأمارات المعتبرة ، وذلك لأنّ اعتبارها مستند إلى العلم ، إذ لا يعقل الانتهاء إلى الظنّ ، مع أنّ الأصل الأوّلي فيه عدم الحجيّة وعدم ترتّب شيء من آثارها ، ولهذا اشتهر أنّ الشكّ في الحجيّة مساوق للقطع بعدمها ، فحجيّة كلّ حجّة لا محالة تنتهي إلى العلم ، وعليه فلا مجال لشمول قوله تعالى - * ( ولا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِه عِلْمٌ ) * « 4 » لمثلها ، وإلَّا يلزم عدم حجيّة ظاهره ؛ لأنّه أيضاً من الأمارات التي لا تفيد إلَّا الظن نوعاً ، فاللازم إمّا الالتزام بعدم حجيّة ظواهرها الدالَّة على النهي والمذمّة على اتّباع غير العلم مطلقاً ، وإمّا الالتزام بعدم شمولها لمثل فتوى المجتهد التي قام الدليل القطعي على اعتبارها وحجيّتها ، وعلى كلا التقديرين يثبت المطلوب .
وعن الطائفة الثانية ، أنّها أجنبية عمّا نحن فيه ؛ لأنّ محلّ البحث إنّما هو حجيّة
هامش
« 1 » سورة الزخرف : 43 / 23 .
« 2 » سورة المائدة : 5 / 104 .
« 3 » سورة البقرة : 2 / 170 .
« 4 » سورة الإسراء : 17 / 36 .