شرح
وعلى الوجه الثاني أنّ تنظير المقام بموارد قاعدة اليقين وقياسه عليها في غير محلَّه ؛ لأنّه في تلك الموارد يسري الشكّ إلى نفس متعلَّق اليقين ، ويزول اليقين بعروض الشكّ لا محالة ، فلا مانع من جريان الأُصول العملية بعد تحقّق مجاريها . وأمّا في المقام فهو لا يشكّ فعلاً في أنّ علمه السابق كان علماً واقعياً مطابقاً للواقع ، ضرورة أنّه في هذا الحال يتيقّن إجمالاً بما هو المتعلق لليقين السابق ، والظاهر أنّ نظير المقام ما إذا علم شيئاً ثمّ نسيه مع الالتفات إلى أنّه كان عالماً به وكان علمه مطابقاً للواقع ، وفي مثل ذلك لا محيص عن العمل على طبق اليقين السابق ورعاية الاحتياط ، للزوم دفع العقاب المحتمل عند العقل ، كما أنّه في مثال الدين إذا علم بأنّه كان عالماً به في السابق ، وكان واجباً عليه ردّه ثمّ تردّد بين الأقلّ والأكثر لا يبعد الالتزام بوجوب الاحتياط ، فتدبّر .
والدليل على القول الثالث المنسوب إلى المشهور أنّ مثل المقام وإن كان مورداً للبراءة في نفسه ، إلَّا أنّ إجراء البراءة يستلزم كثيراً العلم بالوقوع في مخالفة التكليف الواقعي ، وقد صرّحوا بذلك في جملة من الموارد ، كما إذا شكّ في الاستطاعة أو في بلوغ المال حدّ النصاب ، أو شكّ في ربحه أو في الزيادة على المؤنة ، وقالوا : إنّها وإن كانت مورداً للبراءة في نفسها إلَّا أنّ إجراءها يستلزم العلم بالمخالفة ، ومقتضى ما ذكر وإن كان هو القضاء في المقام بمقدار يتيقّن معه بالفراغ إلَّا أن إيجابه يستلزم العسر والحرج ، فيكفي الظن بالفراغ ؛ لأنّه أوسط الأُمور وخير الأُمور أوسطها .
وأُورد عليه بوجهين :
أحدهما :
أنّ جريان البراءة في تلك الموارد وإن كان يستلزم العلم بالوقوع في مخالفة الواقع عند إجراء البراءة ، إلَّا أنّ الكلام في أنّ هذا العلم يحصل لأيّ شخص أللمقلَّد أم للمفتي ؟ أمّا المقلَّد فلا علم له بالوقوع في مخالفة الواقع وإنّما يحتمل المخالفة كما يحتمل الموافقة ، وأمّا المفتي فهو وإن كان يحصل له العلم بذلك إلَّا أنّ علم المجتهد إجمالاً بمخالفة عمل العامي للواقع لا يترتّب عليه أثر ؛ لأنّه إنّما يفتي بلحاظ وظيفة المقلد ، بل