تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاج العروس — صفحة 93

مساهمون:

ص٩٣
عُمَرَ ، رَضِيَ اللَّهُ تعالى عنه في الاسْتِسْقاءِ : اللهُمَّ إِنَّا نَتَقَرَّبُ إليكَ بعمِّ نبيِّك وقَفِيَّةِ آبائِهِ وكُبْرِ رِجاله ؛ يَعْنِي العبَّاسَ ، أَي خَلَف آبائِهِ وتِلْوهم وتَابِعهم كأَنَّه ذَهَبَ إِلَى اسْتِسْقاءِ أَبِيهِ عَبْد المطَّلب لأهْل الحَرَمَيْن حينَ أَجْدَبُوا فسَقَاهُم اللَّهُ به . والقافِيَةُ مِن الشِّعْرِ : الذي يَقْفُو البَيْتَ ، سُمِّيَت لأنَّها تَقْفُوه . وفي الصِّحاح : لأنَّ بعضَها يَتْبَع أَثَر بعضٍ . وقالَ الأخْفَش : القافِيَةُ : آخِرُ كَلِمةٍ في البَيْتِ ، وإِنَّما قِيلَ لها قافِيَة لأنَّها تَقْفُو الكَلامَ ؛ قالَ : وفي قوْلِهم قافِيَة دَلِيلٌ على أنَّها ليسَتْ بحَرْفٍ ، لأنَّ القافِيَةَ مُؤَنَّثة والحَرْفَ مُذكَّرٌ ، وإن كانوا قد يُؤَنِّثُونَ المُذكَّر ؛ قالَ : وهذا قد سُمِعَ من العَرَبِ ، وليسَتْ تُؤْخَذ الأسْماءُ بالقِياسِ ، والعَرَبُ لا تَعْرفُ الحُرُوفَ . قالَ ابنُ سِيدَه : أَخْبَرَني مَنْ أَثِقُ بِه أنَّهم قالوا لعَرَبيَ فصِيحٍ : أَنْشِدْنا قصِيدةً على الذالِ ، فقالَ : وما الذَّال ؟ وسُئِلَ أَحَدُهم عن قافِيَةِ : * لا يَشْتينَ عَمَلاً ما أَنْقَيْنْ * فقالَ : أنْقَيْنْ ؛ وقالوا لأبي حيَّة : أنْشِدْنا قصِيدَةً على القافِ فقال : * كَفَى بالنَّأْيِ من أَسْماء كاف * فلم يَعْرِف القافَ . قالَ صاحِبُ اللِّسان : أَبو حيَّة على جَهْلِه بالقافِ في هذا كما ذُكِرَ أَفْصَح منه على مَعْرفَتِها ، وذلكَ لأنَّه راعَى لَفْظُه قاف فحمَلَها على الظاهِرِ وأتاهُ بما هو على وَزْنِ قاف من كاف ومثْلها ، وهذا نِهايَةُ العِلْم بالألْفاظِ وإن دقَّ عليه ما قَصَدَ منه من قافِيَةِ القافِ ، ولو أنْشَدَه شعراً على غيرِ هذا الرَّوِيّ مثْل قوْلِه : * آذَنَتْنا ببَيْنِها أَسْماء * أَوْ مِثْل قَوْله : * لخَوْلَةَ أطْلالٌ ببُرْقَةِ ثَهْمَدِ ( 1 ) * كانَ يُعَدُّ جَاهِلاً ، وإنَّما هو أَنْشَدَه على وَزْنِ القافِ ، وهذه مَعْذرةٌ لَطِيفَةٌ عن أَبي حيَّة ، واللَّهُ أَعْلَم ، انتَهَى . أَو اتفاقِيَةُ مِن آخِر ( 1 ) حَرْفٍ ساكِنٍ فيه ، أَي في البَيْتِ ، إلى أَوَّلِ ساكِنٍ يَلِيهِ مع الحَرَكَةِ التي قبْلَ السَّاكِنِ ؛ هذا قولُ الخَلِيلِ . ويقالُ مع المُتحَرِّكِ الذي قَبْلَ الساكِنِ كأَنَّ القافِيَةَ على قوْلِهِ مِنْ قَوْلِ لَبيدٍ : عَفَتِ الدِّيارُ مَجَلُّهَا فمُقَامُها ( 3 ) * مِن فَتْحةِ القافِ إلى آخِر البَيْتِ ، وعلى الحِكايَةِ الثانيةِ مِن القافِ نَفْسِها إلى آخِرِ البَيْتِ . أَوْ هي الحَرْفُ الذي تُبْنَى عليه القَصِيدَةُ ، وهو المسمَّى رَوِيًّا ، هذا قولُ قُطْرُب . وقالَ ابنُ كَيْسان : القافيَةُ كلُّ شيءٍ لزمت إعادَته في آخِر البَيْتِ ، وقد لاذ هذا بنَحْوٍ مِن قوْلِ الخَلِيلِ لولا خَلَلٌ فيه . قالَ ابنُ جنِّي : والذي ثَبَتَ عنْدِي صحَّته مِن هذه الأقْوال هو قَوْل الخلِيلِ . قالَ ابنُ سِيدَه : وهذه الأقْوالُ إنَّما يخصّ بتَحْقِيقِها صِناعَة القَافِيَةِ ، ونحنُ ليسَ مِن غَرَضِنا هنا إلاَّ أن نُعَرِّفَ مَا القافِيَةُ على مَذْهَبِ هؤلاء كُلّهم من غيرِ إسْهابٍ ولا إطْنابٍ ، وقد بيَّناهُ في كتابِنا الوافي في أحْكامِ علْم القَوافِي . وأمَّا حِكاية الأخْفَش مِن أنَّه سأَلَ مَنْ أَنْشَدَ : * لاَ يَشْتَكِينَ عَمَلاً ما أَنْقَيْنْ * فلا دَلالَةَ فيه على أنَّ القافِيَةَ عنْدَهم الكَلِمَةُ ، لأنَّه نَحا نَحْوَ ما يرِيدُه الخَلِيلُ فلَطُف عليه أن يقولَ : هي مِن فَتْحةِ القافِ إلى آخِرِ البَيْتِ ، فجاءَ بما هو عليه أَسْهَل وبه آنَس وعليه أَقْدَر ، فذكَرَ الكَلِمَة المُنْطوِيَة على القافِيَةِ في الحَقِيقَةِ مجازاً ، وإذا جازَ لَهُم أَنْ يسموا البَيْتَ كُلّه قافِيَةً لأنَّ في آخِرِهِ قافِيَة ، فتَسْمِيَتهم الكَلِمة التي فيها القافِيَة نَفْسها قافِيَة أَجْدَر بالجَوازِ ، وذلك قولُ حَسَّان :
هامش
( 1 ) البيت لطرفة بن العبد وعجزه : تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد ( 2 ) في القاموس بالرفع ، والكسر ظاهر . ( 3 ) مطلع معلقته ، وعجزه : بمنى تأبد غولها فرجامها
تاج العروس — صفحة 93 | مرتضى الزبيدي