تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاج العروس — صفحة 359

مساهمون:

ص٣٥٩
إنَّ الحَيَا وَلَدَتْ أَبي وعُمُومَتِي * ونَبَتُّ في وَسطِ الفُرُوعِ نُضارِ ( 1 ) * قُلْتُ : وابنُ الحَيَا الذي قالَ فيه الجعْدِيُّ : جهلت عليّ ابن الحيا وظلمتني * وجمعت قولاً جانبيّاً مضللا والحَيَاءُ ، بالمدِّ : التَّوبة ( 2 ) والحِشْمَةُ . وقال الرَّاغبُ : هو انْقِباضُ النَّفْسِ عن القَبائِحِ . وقد حَييَ منه ، كرَضِيَ ، حَياءً : اسْتَحْيى ؛ نَقَلَه الجَوهرِيُّ عن أَبي زيْدٍ وأَنْشَدَ : أَلا تَحْيَوْنَ من تَكْثير قَوْمٍ * لعَلاَّتٍ وأُمُّكُم رَقُوبُ ( 3 ) ؟ أَي أَلا تَسْتَحْيُونَ . قالَ : وتقولُ في الجَمْعِ حَيُوا كما يقالُ خَشُوا . قالَ سِيْبَوَيْه : ذَهَبتِ الياءُ لإلْتقاءِ السَّاكِنَيْنِ لأنَّ الواوَ ساكِنَةٌ وحَرَكَة الياءِ قد زَالَتْ كما زَالَتْ في ضَرَبُوا إلى الضمِّ ، ولم تحرَّك الياء بالضمِّ لثِقْلِه عليها فحُذِفَتْ وضُمَّت الياءُ الباقِيَة لأجْلِ الواوِ . وقالَ بعضُهم : حَيُّوا ، بالتَّشْديدِ ، تَرَكَه على ما كانَ عليه للإدْغامِ . واسْتَحْيى ( * ) منه ، بياءَيْنِ واسْتَحَى منه ، بياءٍ واحِدَةٍ ، حَذَفُوا الياءَ الأَخيرَةَ كَراهِية الْتِقاءِ الياءَيْن . وقالَ الجَوهرِيُّ : أَعَلُّوا الياءَ الأُولى وأَلْقُوا حَرَكَتَها على الحاءِ فقالوا اسْتَحَيْتُ اسْتِثْقالاً لمَّا دَخَلَتْ عليها الزَّوائد . قالَ سِيْبَوَيْه : حُذِفَتْ لالْتِقاءِ الساكِنَيْن لأنَّ الياءَ الأُولى تُقْلَبُ أَلِفاً لتحركها ، قالَ : وإنَّما فَعَلُوا ذلكَ حيثُ كَثُرَ في كَلامِهم . وقالَ أَبو عُثْمان المازِنيُّ : لم تُحْذَف لإلْتِقاءِ السَّاكنَيْن لأنَّها لو حُذِفَتْ لذلكَ لرَدّوها إذ قالوا هو يَسْتَحِي ، ولقالوا يَسْتَحِيي . قالَ ابنُ بَرِّي : قَوْل أَبي عُثْمان مُوافِقٌ لقَوْلِ سِيْبَوَيْه ، والذي حَكَاه عن سِيْبَوَيْه ليسَ هو قَوْله ، وإنَّما هو قَوْلُ الخلِيلِ ، لأنَّ الخَليلَ يَرى أنَّ اسْتَحَيْتُ أَصْلُه اسْتَحَيْيتُ ، فأُعِلَّ إعْلال اسْتَعَيْت ، وأَصْلُه أستَعْيَيْتُ ( 4 ) ، وذلكَ بأنْ تُنْقَل حَركَة الياءِ على ما قَبْلَها وتُقْلَب أَلِفاً لالْتِقاءِ السَّاكنَيْن ، وأَمَّا سِيْبَوَيْه فيَرى أنَّها حُذِفَتْ تَخْفيفاً لاجْتِماعِ الياءَيْن لا لإعْلالٍ مُوجِب لحذْفِها ، كما حذفَت السِّيْن في أَحْسَسْت حتى قلتَ أَحَسْتُ ، ونقلتَ حَركَتَها على ما قَبْلها تَخْفيفاً ، انتَهَى . ثم قالَ الجَوهرِيُّ : وقالَ الأَخْفَش : اسْتَحَى ، بياءٍ واحِدَةٍ ، لُغَةُ تَمِيمٍ ، وبياءَيْن لُغَةُ أَهْلِ الحِجازِ ، وهو الأَصْلُ ، لأنَّ ما كانَ موضعُ لامه مُعْتلاً لم يُعِلُّوا عَيْنَه ، أَلا تَرى أنَّهم قالوا أَحْيَيْتُ وحَوَيْتُ ؟ ويقُولُونَ : قُلْتُ وبِعْتُ فيُعِلُّون العَيْنَ لمَّا لم تَعْتَلَّ اللامُ ، وإنَّما حَذَفُوا الياءَ لكثْرَةِ اسْتِعْمالِهم لهذه الكَلِمَةِ كما قالوا لا أَدْرِ في لا أَدْري . واسْتَحياهُ واسْتَحاهُ يَتَعدَّيانِ بحَرْفٍ وبغَيْر حَرْفٍ . وقالَ الأزْهرِيُّ : للعَرَب في هذا الحَرْف لُغَتانِ يَسْتَحِي بياءٍ واحِدَةٍ وبياءَيْن ، والقُرْآنُ نَزَلَ بهذه اللغَةِ الثانِيَةِ في قوْلِه تعالى : ( إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلاً ) . وقالَ ابنُ برِّي : شاهِدُ الحَياءِ بمعْنَى الاسْتِحْياء قوْلُ جريرٍ : لولا الحيَاءُ لَهَاج لي اسْتِعْبارُ * ولَزُرْتُ قَبْرَكِ والحبيبُ يُزَار ( 5 ) وفي الحدِيثِ : " الحَياءُ شُعْبَةٌ مِن الإِيمانِ " . قالَ ابنُ الأثيرِ : وإنَّما جعلَ الحَياء بَعْض الإِيمانِ لأنَّ الإِيمانَ يَنْقَسِم إلى ائْتِمارٍ بما أمر الله به وانْتِهاءٍ عمَّا نَهَى
هامش
( 1 ) ديوانه ط بيروت ص 120 برواية : " في سبط " واللسان . ( 2 ) في القاموس : التؤبة . ( 3 ) اللسان والتهذيب . ( * ) كذا ، وبالقاموس : استحيا . ( 4 ) في اللسان : استنعت وأصله استنيعت . ( 5 ) من أبيات رثا امرأته ديوانه 2 / 862 واللسان وفيه " لعادني " وفي الكامل للمبرد 3 / 1389 " لها جني " بدل " لهاج لي " .