إِنّما ضَحِكَتْ سُرورًا بالأَمْن لأَنَّها خافَتْ كما خافَ إِبْراهِيمُ ، قالَ : وقالَ بَعْضُهُم : إِنَّ فيه تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا ، أي : فبَشَّرناها بإسْحاقَ فضَحِكَتْ بالبِشارَةِ ، قال الفَرّاءُ : وهو ما يَحْتَمِلُه الكَلامُ ، واللَّهُ أَعْلَم بصَوابِه . وقيل : هو مِنْ ضَحِكَ الرَّجُلُ : إِذا عَجِبَ والمَعْنَى : أي عَجِبَتْ مِنْ فَزَعِ إِبْراهِيمَ عليه السلامُ ، ومنه قولُ عَبدِ يَغُوثَ الحارِثيِّ :
وتَضْحَكُ مِنِّي شَيخَةٌ عَبشَمِيَّةٌ * كأَنْ لَم تَرا قَبلِي أَسِيرًا يَمانِيَا
وهو قولُ ابنِ عَبّاسٍ ، ونَقَلَه الرّاغِبُ ، وأَيَّدَه فقال : ويَدُلُّ على ذلك قوله تعالَى : ( أأَلِدُ وأَنا عَجُوزٌ وهذا بَعْلي شَيخًا إِنَّ هذا لَشَيءٌ عَجِيبٌ ) ( 1 ) قالَ : وقَولُ مَنْ فَسَّرَه بحاضت فليسَ ذلك تَفْسِيراً لقولِه ( ضَحِكَتْ ) كما تَصَوَّرَه بعضُ المُفَسِّرِينَ ، فقَال : ضَحِكَتْ يَعْنِي حاضَتْ ، وإِنّما ذِكْرُه ذلك أَمارَةٌ لِما بُشِّرَتْ به فحاضَتْ في الوَقْتِ لتَعْلَمَ أَنَّ حَمْلَها ليسَ بمُنْكَرٍ ، إِذْ كانت المَرأَةُ ما دامَتْ تَحِيضُ فإِنَّها تَحْبَلُ . أَو ضَحِكَ : إِذا فزِعَ وبه فَسَّرَ الفَرّاءُ الآيَة ، كما تَقَدَمَ قَرِيبًا . ومن المَجاز : ضَحِكَ السَّحابُ : إِذا بَرَقَ قالَ ابنُ الأَعْرابي : الضّاحِكُ من السَّحابِ مِثْلُ العارِضِ إِلا أَنّه إِذا بَرَقَ قِيلَ ضَحِكَ ، نَقَلَه الجَوْهَرِيُّ ، ومنه الحَدِيثُّ : " يَبعَث اللَّهُ السَّحابَ فيًضْحَكُ أَحْسَنَ الضحِكِ ، ويَتَحَدَّثُ أَحْسًنَ الحَدِيثِ " ، فضَحِكُه البًرقُ ، وحَدِيثُه الرَّعْدُ جعَلَ انْجِلاَءه عن البَرقِ ضَحِكاً ، فكأًنه إِنّما جَعَلَ لَمْعَ البَرق أَحْسَنَ الضَّحِكِ وقَصْفَ الرَّعْدِ أَحْسَنَ الحَدِيثِ ، لأَنّهما آيَتانِ حامِلَتانِ عَلَى التَّسبِيحِ والتَّهْلِيلِ . وضَحِكَ القردُ أَي : صَوَّتَ وفي الصِّحاحِ : ويُقالُ : القِردُ يَضْحَكُ إِذا صَوَّتَ ، أي جعلَ كَشْرَ الأَسْنان ضَحِكًا ، وِإلا فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الضًّحِكَ مُخْتَصٌّ بالإِنْسانِ . والضَّحْكُ بالفَتْحِ : الثَّلْجُ ، وقِيلَ : الزُّبْدُ ، وقيل : العَسَلُ وقَيَّدَه ابنُ السّيد بالأبْيَضِ ، قال أَبو عَمْرو : شُبِّه بالثَّغْرٍ لشِدَّةِ بَياضِه أَو الشّهْد . والضَحْكُ : ظهُورُ الثَّنايا من الفَرَع ، ومن ذلك سُمِّيَ العَجَبُ ضَحِكا . وقالَ الأَصْمَعيُ : الضَّحْكُ : الثَّغْرُ الأَبْيَضُ شُبِّه بياضُ العَسَل بهِ ، يُقال : رَجُلٌ ضَحْكٌ ، أي : أَبْيَضُ الأَسْنانِ ، وبكُلِّ ذلك ما عَدَا العَجَبَ فُسِّرَ قولُ أبي ذؤَيْبٍ الهُذَلِيِّ :
فجَاءَ بمَزْجٍ لم يَرَ النّاسُ مِثْلهِ * هو الضَّحْكُ إِلاَّ أَنَّه عَمَلُ النَّخْلِ ( 2 )
وقِيل : الضَّحْكُ : النَّوْرُ وبه فُسِّرَ البَيْتُ أَيضًا . والضَّحْكُ : المَحَجَّةُ ، وهي وَسَط الطَّرِيقِ ، كالضَّحّاكِ كشَدّاد . الصّوابُ أَنْ يُذْكَرَ قولُه : كالضَّحَّاكِ بعد قولِه : كِمامُه ، كما هو نَصُّ أبي عَمْرو ، وأَما الضَّحّاكُ في نَعْتِ الطَّرِيقِ فإِنّه سَيأْتِي له فيما بَعْدُ ، فتأَمّلْ ذلك . وقال السَّكّريُّ في شَرح قَوْل أَبي ذُؤَيْبٍ : الضَّحْكُ : طَلْعُ النَّخْلَةِ إِذا انْشَقَّ عنه كِمامُه في لُغَةِ بَلْحارِثِ بنِ كَعْبٍ ، وقال ثَعْلَبٌ : هو ما في جَوْفِ الطَّلْعَةِ ، وقال أَبو عَمْرو : هُو وَلِيعَةُ الطَّلع الّذِي يُؤْكَلُ ، كالضَّحّاكِ ، هذا نَصُّ أَبي عَمْرو ، فكانَ الأَوْلَى أَنْ يُؤْخِّرَ لَفْظَ كالضّحّاكِ هُنا . والضّحْكُ بالضّمِّ : جمع ضَحُوك للطَّرِيقِ ، كصَبُورٍ وصُبر . وقال ابنُ دُرَيْدٍ : الضّاحِكُ : حَجَرٌ شَدِيدُ البَياضِ يَبدُو في الجَبَلِ من أي لون ( 3 ) كانَ فكأًنه يَضْحَكُ ، وهو مَجازٌ . ومِنَ المَجازِ : الضَّحّاكُ كشَدّادٍ : المُستَبِينُ الواسِعُ من الطرُقِ قال الفَرَزْدَقُ :
إِذا هي بالرَّكْبِ العِجالِ تَرَدَّفَتْ * نَحائِزَ ضَحّاكِ المَطالِعِ في النَّقْبِ ( 4 )
نحائِزُ الطّريقِ : جَوادُّه . كالضَّحُوكِ كصَبُورٍ ، وهذه عن الجَوْهَرِيِّ قال :
* على ضَحُوكِ النَّقْبِ مُجْرَهِدِّ ( 5 ) *
والضّحّاكُ بنُ عَدْنانَ ، زَعَم ابنُ دَأْبٍ المَدَنيُّ أَنّه رَجُلٌ مَلَكَ الأَرْضَ ، وهو الَّذِي يُقال لَهُ : المُذْهَبُ ، وفي المَثَلِ يُقَالُ : أَحْسَنُ مِنَ المُذْهَب وكانتْ أُمه جِنِّيَّةً فلَحِقَ بالجِنِّ وتَقُولُ العَجَمُ : إِنّه لمّا عَمِلَ السِّحْرَ وأَظْهَر الفَسادَ أُخِذَ فَشُدَّ في جَبَلِ دُنْباوَنْدَ ، ويقال : إِنَّ الذي شَدَّه افْرِيدُون الذي كانَ مَسَحَ الدُّنْيا فبلغت أَرْبَعَةً وعِشْرِينَ أَلفْ فَرسَخٍ ، قالَ الأَزْهَرِيُّ : وهذا كُلُّه باطِلٌ لا يُؤْمِنُ بمِثْلِه إِلاّ أَحْمَقُ لا عَقْلَ له .
قلتُ : وتَزْعُم الفُرسُ أَنّه د ه ا ك ، ومعناه عَشْرَةُ أَمْراض ، والضَّحَّاكُ إِنّما هو تَعْرِيبُه ، وقال ابنُ الجَوّاني النَّسّابَةُ :
هامش
( 1 ) سورة هود الآية 72 .
( 2 ) ديوان الهذليين 1 / 42 واللسان والصحاح ومقاييس اللغة 3 / 394 .
( 3 ) لم يرد قوله في الجمهرة ، ونقله عنه في التكملة .
( 4 ) ديوانه 1 / 84 واللسان والتكملة والتهذيب .
( 5 ) اللسان والتهذيب .