تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاج العروس — صفحة 248

مساهمون:

ص٢٤٨
شفَعوا لها ، من الشَّفاعة . وقَوْله تَعالى : ( مَن يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يكُن له نَصيبٌ منها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سيِّئَةً يكُن له كِفْلٌ منها ) ( 1 ) : أي من يَزِدْ عمَلاً إلى عمَلٍ ، من الشَّفْع ، وهو الزيادةُ ، كما في العُباب ، وقال الراغب : أي من انْضمَّ إلى غَيْرِه وعاوَنه ، وصارَ شَفْعَاً له أو شَفيعاً في فِعلِ الخَيرِ أو الشَّرِّ ، فعاونَه أو شارَكه ( 2 ) في نَفْعِه وضُرِّه ، وقيل : الشَّفاعَةُ هنا : أن يُشْرِعَ الإنسانُ للآخِرَةِ ( 3 ) طريقَ خَيْرٍ أو شَرٍّ ، فيُقتَدى به ، فصارَ كأنّه شَفَعَ له ، وذلك كما قال عليه الصلاةُ والسلام : " مَن سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فله أَجْرُها وأَجْرُ مَن عَمِلَ بها ، وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً قَبيحَةً فله إثمُها وإثمُ مَن عَمِلَ بها " وقَوْله تَعالى : ( فما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشَّافِعين ) ( 4 ) . وقولُه عزّ وجلّ : ( ولا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ ) ( 5 ) وكذا قَوْله تَعالى : ( يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إلاّ من أَذِنَ له الرَّحمنُ ورَضِيَ له قَوْلا ) ( 6 ) وكذا قَوْله تَعالى : ( لا تُغْنِ عنِّي شَفاعَتُهم شيئاً ) ( 7 ) . قال ابنُ عَرَفَةَ : نَفْيٌ للشافِع ، أي مالِها شافِعٌ فَتَنْفَعَها شَفاعَتُه ، وإنّما نَفَى الله تَعالى في هذه المواضِعِ الشافِعَ لا الشَّفاعَةَ . والشَّفيع كأميرٍ : الشّافِع ، وهو صاحبُ الشَّفاعَةِ والجَمعُ شُفَعاء ، وهو الطالبُ لغَيرِه يَتَشَفَّعُ به إلى المَطلوب . والشَّفيع أيضاً : صاحبُ الشُّفْعَة ، بالضَّمّ ، تكونُ في الدارِ والأرض . وسُئِلَ أبو العبّاس ثَعْلَبٌ عن اشتِقاقِ الشُّفْعَةِ في اللُّغَة فقال : اشتِقاقُها من الزيادةِ وهي : أن تَشْفَعَ ، هكذا في العُباب ، والذي في اللِّسان : " يُشَفِّعك " فيما تَطْلُبُ فتَضُمَّه إلى ما عندَك ، فَتَشْفعَه ( 8 ) ، أي تَزيدَه ، أي أنّه كان وَتْرَاً واحِداً ، فضمَّ إليه ما زادَه ، وَشَفَعه به . وقال الراغبُ : الشُّفْعَة : طَلَبُ مَبيعٍ في شَرِكَتِه بما بِيعَ به ، ليَضُمَّه إلى مِلكِه . فهو من الشَّفْع . وقال القُتَيْبِيُّ - في تفسيرِ الشُّفْعَة - : كان الرجلُ في الجاهليّةِ إذا أرادَ بيعَ مَنْزِلٍ ، أتاهُ رجلٌ ، فَشَفَعَ إليه فيما باعَ ، فشَفَّعَه ، وَجَعَله أَوْلَى بالمَبيعِ ممّن بَعُدَ سبَبُه ، فسُمِّيَت شُفْعَةً ، وسُمِّي طالِبُها شَفيعاً . والشُّفْعَةُ عند الفُقَهاء : حَقُّ تمَلُّكِ الشَّقْصِ على شَريكِه المُتَجَدِّدِ مِلكُه قَهْرَاً بعِوَضٍ ، وفي الحديث : " الشُّفْعَةُ فيما لا يُقسَم ، فإذا وَقَعَتْ الحُدودُ ، وصُرِفَتْ الطُّرُقُ ، فلا شُفْعَةَ " وفي هذا دَليلٌ على نَفْيِ الشُّفْعَةِ لغَيرِ الشَّريك ، وأمّا قَوْلُه : فإذا وَقَعَتْ الحُدودُ . . . إلى آخِره " ، فقد يَحتَجٌّ بكلِّ لَفْظَةٍ منها قومٌ ، أمّا اللفظَةُ الأولى : ففيها حُجَّةٌ لمن لم يرَ الشُّفْعَةَ في المَقسوم ، وأمّا اللفظةُ الأُخرى : فقد يَحْتَجُّ بها من يُثبِتُ الشَّفْعَةَ بالطريقِ وإن كان المَبيعُ مَقْسُوماً ، وهذه قد نَفاها الخَطّابيُّ بما هو مَذْكُورٌ في غَريبِه ، ثمّ إنّه علَّقَ الحُكمَ فيه بمعنَيَيْن : وقوعُ الحُدود ، وصَرْف الطرُقِ معاً ، فليس لهم أن يُثبِتوه بأحَدِهما ، وهو نَفْيُ صَرْفِ الطرُقِ دونَ نَفْيِ وقوعِ الحدود . وقولُ الشَّعْبِيِّ رَحِمَه الله تَعالى : الشُّفْعَةُ على رؤوسِ الرِّجالِ ، أي إذا كانت الدارُ بينَ جماعةٍ مُختَلفي السِّهامِ ، فباعَ واحدٌ منهم نَصيبَه ، فيكون ما باعَ لشُرَكائِه بينهم سَواءً على رؤوسِهم ، لا على سِهامِهم ، كذا في النِّهايةِ والعُباب . وقال أبو عمروٍ : الشُّفْعَةُ أيضاً : الجُنونُ وجَمْعُها : شُفَعٌ . والشُّفْعَةُ من الضُّحى : رَكْعَتاه ومنه الحديث : " مَن حافَظَ على شَفْعَةِ الضُّحى غُفِرَتْ له ذُنوبُه " ويُفتَح ، فيهما ، كالغُرفَةِ والغَرفَة ، سَمّاها شُفْعَةً لأنّها أكثرُ من واحدةً ، ونُقِلَ الفتحُ في الشُّفْعَةِ بمعنى الجُنونِ عن ابْن الأَعْرابِيّ . قال : يقال : في وَجْهِه شَفْعَةٌ ، وسَفْعَةٌ ، وشُنْعَةٌ ، ورَدَّةٌ ، ونَظْرَةٌ ، بمعنىً واحدٍ ، وأمّا الفَتحُ في شَفْعَةِ الضُّحى ، فقال القُتَيْبيُّ : الشَّفْع : الزَّوْج ، ولم أَسْمَعْ به مُؤنَّثاً إلاّ هنا . قال : وأَحْسَبُه ذَهَبَ بتأنيثِه إلى الفَعلَةِ الواحدةِ ، أو إلى الصلاة . والمَشْفوع : المَجنون وإهمالُ السينِ لغةٌ فيه .
هامش
( 1 ) سورة النساء الآية 85 . ( 2 ) في المفردات : فعاونه وقواه وشاركه . ( 3 ) في المفردات : للآخر . ( 4 ) سورة المدثر الآية 48 . ( 5 ) سورة البقرة الآية 123 . ( 6 ) سورة طه الآية 109 . ( 7 ) سورة يس الآية 23 . ( 8 ) في التهذيب واللسان : إلى ما عندك ، فتزيده وتشفعه بها ، أي تزيده بها .