تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاج العروس — صفحة 381

مساهمون:

ص٣٨١
القُسْطَنْطِينِيَة ، وعدَّ ذلِكَ من أَغْلاط العَوامِّ ، فتأَمَّلْ : دارُ مَلِكِ الرُّومِ وهي الآنَ دارُ مَلِكِ المُسْلِمِينَ ، وفاتِحُها السُّلْطَانُ المُجَاهِدُ الغازِي أَبُو الفُتُوحَاتِ مُحَمَّدُ بنُ السُّلْطَانِ مُرَادِ ابنِ السَّلْطَانِ مُحَمَّدِ بنِ السُّلْطَانِ بايَزِيد ابنِ السُّلْطَانِ مُرَادٍ الأَوَّلِ بنِ أُورخانَ بنِ عُثمانَ ، تغَمَّدَهُ اللهُ تَعالَى برَحْمَتِه ، فهُو الَّذِي جَعَلَها كُرْسِيَّ مَمْلَكَتِه بعد اقْتِلاعِه لها من يَدِ الإِفْرَنْجِ ( 1 ) ، وكان اسْتِقْرَارُهُ في المَمْلَكَةِ بعد أَبِيهِ في سنة 855 . كان مَلِكاً عَظِيماً اقْتَفَى أَثَرَ أَبِيهِ في المُثَابَرَةِ على دَفْعِ الفِرِنْجِ حتى فاقَ مُلوكَ زمانِه ، مع وَصْفِه بمُزَاحَمَةِ العُلَمَاءِ ، ورَغْبَتِه في لِقَائِهِم ، وتَعْظِيمِ من يَرِدُ عليهِ مِنْهُم ، وله مآثِرُ كثيرةٌ مِنْ مَدَارِسَ وزَوايا وجَوامِعَ ، تُوُفّي أَوائلَ سنة 886 في تَوَجُّهِه مِنْهَا إِلى بُرْصَا ، ودُفِن بالبَرِّيَّةِ هُناكَ ، ثم حُوِّلَ إِلى اسْطَنْبُولَ في ضَرِيحٍ بالقُرْبِ من أَجَلِّ جَوَامِعِه بها ، واسْتَقَرَّ في المَمْلَكَةِ بَعْدَهُ وَلَدُه الأَكْبَرُ السُّلطانُ أَبو يزِيدَ ، المَعْرُوف بيلدرم ، ومَعْنَاه : البَرْق ، ويُكْنَى بهِ عن الصَّاعِقَةِ ، كما ذَكَرَه السَّخَاوِيُّ في الضَّوْءِ . قلتُ : وهو جَدُّ سُلطانِ زَمانِنا الإِمَامِ المُجَاهِدِ الغازِي ، سُلْطانِ البَرَّيْنِ والبَحْرَيْنِ ، خادِمِ الحَرَمَيْن الشَّرِيفَينِ . وفَتْحُها من أشْراطِ قِيامِ السّاعَةِ وهو ما رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رضِيَ اللهُ عَنْه ، عن النَّبِي صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم أَنَّه قال : " لا تَقُومُ السّاعَةُ حَتَّى تَنْزِلَ الرُّومُ بالأَعْمَاقِ أَو بِدَابِقٍ ، فيَخْرِجُ إِلَيْهِم جيشٌ من المَدِينَةِ من خِيَارِ أَهْلِ الأَرْضِ يَوْمَئِذٍ ، فإِذا تَصافُّوا قالَتِ الرُّوم : خَلُّوا بَيْنَنَا وبينَ الَّذِين سَبَوْا مِنّا نُقَاتِلْهُم ، فيَقُولُ المُسْلِمُون : لا واللهِ لا نُخَلِّي بَيْنَكُمْ وبَيْنَ إِخْوَانِنا ، فيُقَاتِلُونَهم ، فَيَنْهَزِمُ ثُلُثٌ هم أَفْضَلُ الشُّهَدَاءِ عندَ اللهِ ، ويَفْتَحُ الثُّلُثُ لا يُفْتَنُون أَبداً ، فيَفْتَتِحُونَ قُسْطَنْطِينِيَّة ، فَبَيْنَمَا هُم يَقْتَسِمُونَ الغَنَائِم قد عَلَّقُوا سُيُوفَهُم بالزَّيْتُونِ إِذ صاحَ فيهم الشَّيْطَانُ : إِنَّ المسِيح قَد خَلَفَكُمْ في أَهْلِيكُم ، فيَخْرُجُونَ ، وذلِك باطِلٌ ، فإِذا جاءُوا الشّامَ خرجَ فبَيْنَمَا ( 2 ) هُمْ يُعِدُّونَ للقِتَالِ يُسَوُّونَ الصُّفُوفَ إِذْ أُقِيمَتِ الصَّلاةُ فيَنْزِلُ عِيَسى ابنُ مَرْيَم فَأَمَّهُم فإِذا رآه عَدُوُّ الله ذَابَ كما يَذُوبُ المِلْحُ في المَاءِ ، فلو تَرَكَه لانْذَابَ حَتَّى يَهْلِكَ ، ولكِن يَقْتُلُه نَبِيُّ الله بيَدِه فيُرِيهِم دَمَه في حَرْبَته . وقد جاءَ ذِكْرُ القُسْطَنْطِينِيَّةِ أَيْضاً في حَدِيثِ مُعاوِيَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ، وذلِكَ أَنَّه لَمّا بَلَغَه خبرُ صاحِبِ الرُّوم أَنَّه يُرِيدُ أَنْ يَغْزُوَ بلادَ الشّامِ أَيَّامَ فِتْنَةِ صِفِّين كَتَبَ إِلَيْهِ يَحْلِفُ بالله لئِنْ تَمَّمْتَ على ما بَلَغَنِي من عَزْمِك لأَصالِحَنَّ صاحِبي ، ولأَكُونَنَّ مُقدِّمَتَه إِليك ، فلأَجْعَلَنّ القُسْطَنْطِينِيَّةَ البَخْراءِ ( 3 ) حُمَمَةً سَوْداءَ ، ولأَنْزِعَنَّكَ من المُلْكِ انْتِزاعَ الإِصْطَفْلِينَةِ ، ولأَرُدَّنَّك إِرِّيساً من الأَرارِسَة تَرْعَى الدَّوَابِلَ ، وتُسَمَّى بالرُّومِيَّة بُوزَنْطِيَا ، بالضَّمِّ ، وتُعْرَفُ الآن باسْطَنْبُول ، وإِسْلامُ بُول ، وفي معجَمِ ياقُوت : اصْطنْبُول بالصَّاد ، وارْتِفاع سُورِه أَحدٌ وعِشْرُونَ ذِراعاً ، وكَنِيسَتُها المَعْرُوفَةُ بأَيا صُوفيا مُسْتَطِيلَةٌ وبجانِبِها عُمُودٌ عالٍ في دَوْرِ أَرْبَعَةٍ أَبْواعٍ تَقْرِيباً . وفي رأْسِهِ فَرَسٌ من نُحَاسٍ ، وَعَلَيه فارس ، وفي إِحْدَى يَدَيْه كُرَةٌ من ذَهَبٍ ، وقد فَتَح أَصابعَ يَدِه الأُخْرَى مُشِيراً بِها ، ويُقال : هُوَ صورَةُ قُسْطَنْطِينَ بانِيها . قلتُ : وقد جُعِلت هذِه الكنِيسَةُ جامِعاً عَظِيماً ، وأُزِيلَ ما كان فيه من الصُّورِ حينَ فَتْحِها ، وفيه من الزُّخْرُف والنُّقُوشِ البَدِيعَةِ والفُرُش المَنِيعَة الآن ما يَكِلُّ عنه الوَصْفُ ، يُتْلَى فيه القُرآنُ آناءَ اللَّيْلِ وأَطْرَافَ النَّهارِ ، جَعَلَه الله عامِراً بأَهْلِ العِلْمِ ببقاءِ دَوْلَةِ المُلُوكِ الأَبْرَارِ ، والسّلاطِينِ الأَخْيار ، وأَقام بهم نُصْرَةَ دِينِ النَّبِيِّ المُخْتارِ ، صلَّى الله عليه وسَلَّم . وقال أَبو عَمْرٍو : القسْطانُ والكُسْطانُ : الغُبَارُ وأَنْشدَ : أَثابَ راعِيها فثارَتْ بِهَرَجْ * تُثِيرُ قُسْطان غُبَارٍ ذِي رَهَجْ والتَّقْسِيطُ : التَّقْتِيرُ ، يُقال : قَسَّطَ على عِيَالِه النَّفَقَةَ ، إِذا قَتَّرَها عَلَيْهِم ، قال الطِّرِمّاح : كفّاهُ كَفٌّ لا يُرَى سَيْبُهَا * مُقَسَّطاً رَهْبَةَ إِعْدَامِهَا والاقْتِسَاطُ : الاقْتِسَامْ . وقالَ اللَّيْثُ : يقال : تَقَسَّطُوا الشَّيْءَ بَيْنَهُم ، أَي اقْتَسَمُوه بالسَّوِيَّةِ وفي العُبَاب : على القِسْطِ والعَدْلِ . وفي اللِّسان : تَقَسَّمُوه ، على العَدْل والسَّواءِ .
هامش
( 1 ) كذا بالأصل " الإفرنج " . ( 2 ) بالأصل " فيما بينهم " والمثبت عن المطبوعة الكويتية ، وقد نبه بهامش المطبوعة المصرية إلى ذلك ورجحه . ( 3 ) كذا بالأصل واللسان " بخر " والنهاية " بخر " قال ابن الأثير : وصفها بذلك لبخار البحر .
تاج العروس — صفحة 381 | علي شيري / مرتضى الزبيدي