تَخْبِطُ الأرْضَ بصُمٍّ وُقُحٍ * وصِلابٍ كالمَلاطيسِ سُمُرْ ( 1 )
أَرادَ أنها تَضْرِبُها بأَخْفافِها إِذا سارَتْ ، ومِنْهُ حَديثُ سَعْدٍ : " لا تَخْبِطوا خَبْطَ الجَمَلِ ، ولا تَمُطُّوا بآمين " نَهَى أن يُقَدِّمَ رِجْلَه عِنْدَ القِيام من السُّجودِ . وقِيلَ : الخَبْطُ في الدَّوابِّ : الضَّرْبُ بالأيْدي دونَ الأَرْجُلِ وقِيل ، يَكُونُ للبَعيرِ ( 2 ) باليَدِ والرِّجْلِ ، وكُلّ مَا ضَرَبَه بيَدِه فَقَدْ خَبَطَه ، وأَنْشَدَ سِيبَوَيْه :
فَطِرْتُ بمُنْصُلي في يَعْمَلاتٍ * دَوامي الأَيْد يَخْبِطْنَ السَّريحا ( 3 )
وقِيل : الخَبْطُ : الوَطْءُ الشديدُ ، وقِيل : هو من أَيْدي الدَّوابِّ .
قالَ شيخُنا : عِبارَةُ الكَشّافِ : الخَبْطُ : الضَّرْب عَلَى غَيْرِ اسْتِواء . وقال غيرُه : هو السَّيْرُ عَلَى غَيْرِ جادَّةٍ أو طَريقٍ واضِحَةٍ ، وقِيل : أَصْلُ الخَبْطِ : ضَرْبٌ مُتَوالٍ عَلَى أَنْحاءٍ مُخْتَلِفَةٍ ، ثمَّ تُجوِّزَ به عن كُلِّ ضَرْبٍ غيرِ مَحْمودٍ ، وقِيلَ : أَصْلُه ضَرْبُ اليَدِ أو الرِّجْلِ ونَحْوِها . والمُصَنِّفِ جَعَلَ الخَبْطَ : الضَّرْبَ الشَّديدَ ، وليس في شَيءٍ ممّا ذَكرْنا إلاَّ أن يَدْخُلَ في الضَّرْبِ الغيرِ المَحْمودِ ، فتأمَّلْ .
قُلْتُ : قَدْ تَقَدَّم أنَّ الخَبْطَ بمَعْنَى الضَّرْبِ الشَّديدِ نَقَلَه المُصَنِّفِ عن المُحْكَمِ ، وقال غَيْرُه : هو الوَطْءُ الشَّديدُ ، ونَقَلَه في اللِّسان ، فحينَئِذٍ لا يُحْتاج إِلَى التَّكَلُّفِ الَّذي ذَهَب إليه شَيْخُنا من إِدْخالِه في الضَّرْبِ الغَيْرِ المَحْمودِ ، وما نَقَلَه عن الكَشّافِ فإِنَّه مُسْتَعارٌ من خَبْطِ البَعير ، وكذا السَّيْرُ عَلَى غيرِ جادَّةٍ .
وقوله : ولَفْظَةُ كذا في قوله : وكذا البَعير ، زيادَةٌ غيرُ مُحْتاجٍ إليها ، قُلْتُ : بَلْ مُحْتاجٌ إليها ، فإِنَّه
أَشارَ إِلَى الضَّرْبِ الشَّديد ، ومُرادُه من ذلك قولُهم : خَبَطَ البَعيرُ بيَدِه الأرْضَ ، إِذا ضَرَبَها شَديداً ، كما في الأَسَاسِ أَيْضاً ، وتقدَّمَ عن بَعْضِهم أنَّ الخَبْطَ هو الوَطْءُ الشَّديدُ . فلَوْ لم يَذْكُر لَفْظَةَ كذا ، احْتاجَ إِلَى زِيادَةِ قوله : ضَرَبَها شَديداً ، أو كانَ يُفْهَم مِنْهُ مُطْلَقُ الضَّرْبِ ، كما هو في الصّحاح ، فتأَمَّلْ .
كتَخَبَّطَهُ واخْتَبَطَهُ . وفي العُبَاب : كُلُّ مَنْ ضَرَبَه بيَدِه فصَرَعَه فَقَدْ خَبَطَه وتَخَبَّطَه . واخْتَبَطَ البَعيرُ ، أَي خَبَط ، قالَ جَسّاسُ بنُ قُطَيْبٍ يَصِفُ فَحْلاً :
خَوَّى قَليلاً غَيْرَ مَا اخْتِباطِ * عَلَى مَثاني عُسُبٍ سِباطِ
وفي التَّهْذيب : قالَ شُجاعٌ : يُقَالُ : تَخَبَّطَني برِجْلِه ، وخَبَطَني ، بمعنًى واحِدٍ ، وكَذلِكَ تَخَبَّزَني وخَبَزَني .
وخَبَطَهُ يَخْبِطُه خَبْطاً : وَطِئَهُ شَديداً كخَبْطِ البَعيرِ بِيَدِه .
وخَبَطَ القَوْمَ بسَيْفِهِ : جَلَدَهُمْ ، وهو مَجازٌ من خَبْطِ الشَّجَرِ ، كما في الأَسَاسِ .
وخَبَطَ الشَّجَرَةَ بالعَصا يَخْبِطُها خَبْطاً : شَدَّها ثمَّ ضَرَبَها بالعَصا ونَفَضَ وَرَقَها ليَعْلِفَها الإبِلِ والدَّوابِّ ، وفي التَّهْذيب : الخَبْطُ : ضَرْبُ وَرَقِ الشَّجَرِ حتَّى يَنْحاتَّ عنه ، ثمَّ يَسْتَخْلِف من غير أَنْ يَضُرَّ ذلك بأَصْل الشَّجَرَة وأَغْصانِها . وقال اللَّيْثُ : الخَبْطُ : خَبْطُ وَرَقِ العِضاهِ من الطَّلْحِ ونحْوِه يُخْبَطُ بالعَصا فيَتَناثَرُ ثمَّ يُعْلَفُ الإبلَ . قالَ ابن الأَثيرِ : ومِنْهُ حَديثُ عُمَرَ : " لَقَد رَأَيْتَني بهذا الجَبَلِ أَحْتَطِبُ مَرَّةً وأَخْتَبِطُ أُخْرى " ( 4 ) . والحَديثُ الآخَر : " سُئِلَ : هَلْ يَضُرُّ الغَبْطُ ؟ قالَ : لا إلاَّ كما يَضُرُّ العِضاهَ الخَبْطُ " الغَبْطُ : حَسَدٌ خاصٌّ ، فأَرادَ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلّم أنَّ الغَبْطَ لا يَضُرُّ ضَرَرَ الحَسَدِ ، وأنَّ مَا يَلْحَقُ الغابِطَ من الضَّرَر الرّاجِعِ إِلَى نُقْصانِ الثَّوابِ دونَ الإحْباطِ بقَدْرِ مَا يَلْحَقُ العِضاهَ من خَبْطِ وَرَقِها الَّذي هو دونَ قَطْعِها واسْتِئْصالِها ، ولأنَّه يَعودُ بعدَ الخَبْطِ وَرَقُها ، فهو وإنْ كانَ فيه طَرَفٌ من الحَسَد فهو دونَه في الإثْم .
وخَبَطَ اللَّيْلَ يَخْبِطُه خَبْطاً : سارَ فيه عَلَى غَيْرِ هُدًى ، وهو مَجاز ، ويُقَالُ : باتَ يَخْبِطُ الظَّلْماءَ ، قالَ ذو الرُّمَّة :
سَرَتْ تَخْبِطُ الظَّلْماءَ من جانِبَيْ قَسًى * وحُبَّ بها من خابِطِ اللَّيْلِ زائِرِ
هامش
( 1 ) ديوانه الرواية فيه :
جافلات فوق عوج عجل * ركبت فيها ملاطيس سمر
فلا شاهد في هذه الرواية .
( 2 ) في اللسان : وقيل : يكون للبعير . . .
( 3 ) نسب بحواشي المطبوعة الكويتية لمضري بن ربعي الفقعسي الأسدي .
( 4 ) في النهاية : أي أضرب الشجر لينتثر الخبط منه .