شرح
الاشتغال بها يعوق عن تحصيل الثواب الباقي والسعادة الأبديّة ، وحبّها نار في جوهر النفس يحرق جميع الخيرات ويظهر أثرها ( 1 ) بعد الفراق لها ، فالموفّق من اهتم بما يبقى وأقلّ العناية بما يفنى وآثر الآخرة على الدنيا إلا بقدر ما يتبلغ به مراعيا فيه حكم الشرع ، ومحافظا على قوله تعالى : يا أيّها الناس انّ وعد الله حقّ فلا تغرنّكم الحياة الدنيا ولا يغرّنكم بالله الغرور ( 2 ) نسأل الله تعالى التوفيق لذلك بمنّه وكرمه .
وزيّنت له الشيء تزيينا : أظهرت له حسنه بالفعل أو بالقول والمراد به هنا إفاضة قوّة على استعداد عقله يعلم بها ، ويظهر له حسن التفرّد بمناجاته تعالى ، وإيثار لفظ التزيين للإيذان بأنّ ذلك زينة يتزيّن بها العقل والنفس ، كما قال تعالى : ولكنّ الله حبّب إليكم الإيمان وزيّنه في قلوبكم ( 3 ) .
وتفرّد بالشيء : تخلَّى به كفرد من باب - قتل - وأفرد إفرادا وفرّد تفريدا ، ومنه :
طوبى للمفردين ، روي بالتخفيف من باب الأفعال وبالتشديد من باب التفعيل .
قال الزمخشري : فرد برأيه وأفرد وفرّد واستفرد بمعنى إذا تفرّد به والمعنى : طوبى للمتفرّدين بذكر الله المتخلَّين به عن الناس ( 4 ) .
والمناجاة مصدر ناجاه : أي سارّه ، قالوا : واشتقاقها من النجوة : وهي ما ارتفع من الأرض فانّ السرّ مرفوع إلى الذهن لا يتيسّر لكلّ أحد أن يطلع عليه ، ومناجاته تعالى عبارة عن دعائه سرّا في الخلوة بل مطلق ذكره سبحانه .
قيل لبعض العباد : ما أصبرك على الوحدة ؟ فقال : ما أنا وحدي أنا جليس ربّي عزّ وجلّ إذا شئت أن يناجيني قرأت كتابه وإذا أردت أن اناجيه صلَّيت ( 5 ) .
و « الباء » من قوله : « بالليل والنهار » ظرفيّة وهو ظرف لغو متعلَّق بالمناجاة ،
هامش
( 1 ) « الف » : آثارها .
( 2 ) سورة فاطر : الآية 5 .
( 3 ) سورة الحجرات : الآية 7 .
( 4 ) الفائق في غريب الحديث : ج 3 ، ص 99 .
( 5 ) آداب النفس : ج 1 ص 50 .