شرح
وقوله عليه السلام : « من كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه » وهذا المعنى هو المقصود بالذم ، وكلّ ما ورد في القرآن والأخبار وكلام السلف من مذمّة الدنيا والحث على الزهد فيها والترك لها فالمراد به هذا المعنى ، واستثني منه ما استعين به على أمر الآخرة ، ولذلك جعلت الدنيا على قسمين ممدوح ومذموم .
فعن صاحب الدعاء عليه السلام في حديث طويل : حبّ الدنيا رأس كلّ خطيئة .
والدنيا دنياءان : دنيا بلاغ ، ودنيا ملعونة ( 1 ) .
والمراد بالبلاغ ما يبتلغ به إلى الآخرة والملعونة بخلافه وهي المقصودة في متن الدعاء الذي نحن بصدد شرحه .
قال بعض العلماء : قد جعل الله تعالى للإنسان زادين ينتفع بهما :
أحدهما : روحاني كالمعارف والحكم والعبادات والأخلاق الجميلة وثمرته الحياة الأبديّة والغنى الدائم والاستكثار منه محمود ، ولا يكاد يطلبه إلا من عرفه وعرف منفعته .
والثاني : جسماني كالمال والأثاث وفي الجملة ما قد نبّه الله تعالى عليه بقوله :
زيّن للناس حبّ الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذّهب والفضّة والخيل المسوّمة والأنعام والحرث ( 2 ) وثمرته التمتّع في الحياة الدنيويّة الفانية ويسترجع منه إذا فارق دنياه ولا ينتفع منه بشيء إلا بقدر ما استعان به في الوصول إلى الزاد الأخروي كما نبّه عليه بقوله تعالى : وما الحياة الدنيا في الآخرة الا متاع ( 3 ) ولا يولع بالركون إليه إلا من جهل حقائقها ومنافعها : وهي الدنيا الملعونة التي ينبغي التحرّز عنها والزهد فيها ، لأنّها منبع جميع الرذائل ، إذ كان
هامش
( 1 ) الكافي : ج 2 ص 130 ح 11 .
( 2 ) سورة آل عمران : الآية 14 .
( 3 ) سورة الرعد : الآية 26 .