شرح
والجوارح ، فأمّا في القلب فهو أن يفرغ قلبه بجمع الهمة لها والإعراض عمّا سواها فلا يكون فيه غير العبادة والمعبود ، وأمّا في الجوارح فهو غضّ البصر وترك الالتفات والعبث وسكون الأعضاء ( 1 ) .
قوله عليه السلام : « ويقين المتوكّل عليك » لمّا كان صدق اليقين ناشئا عن صدق التوكّل سأل عليه السلام يقين المتوكلين وبيانه أنّ الإنسان قبل التوكّل يظن أنّ له مدخلا في حصول مهمّاته فليس له يقين بالله وصفاته الذاتيّة والفعليّة ( 2 ) كما هو حقّه وبعد اتّصافه بالتوكّل يرى أنّ مهمّاته تحصل من الله سبحانه على الوجه الأكمل الأحسن فيحصل له يقين كما هو حقّه ولذلك ورد في الحديث : « حدّ التوكل : اليقين » ( 3 ) أي منتهى التوكّل مقام اليقين ثم لمّا كان للتوكّل مقامات ودرجات على ما شرحنا وبيّناه فيما سبق سأل عليه السلام توكّل المؤمنين عليه ليفوز بأسنى مراتبه فإنّ المراد بالمؤمنين من اتّصف بحقيقة الإيمان الكامل الذي لا يتحقّق إلا باستقامة الجوارح الظاهرة والمدارك الباطنة والتحلَّي بالكمال في خصاله كما روي عن أبي جعفر عليه السلام إنّه قال : بينا رسول الله صلَّى الله عليه وآله في بعض أسفاره إذ لقيه ركب فقالوا : السلام عليك يا رسول الله فقال : ما أنتم ؟ فقالوا : نحن مؤمنون يا رسول الله . قال : فما حقيقة إيمانكم ؟ قالوا : الرضا بقضاء الله والتفويض إلى الله ، والتسليم لأمر الله . فقال رسول الله : علماء حكماء كادوا أن يكونوا من الحكمة أنبياء فإن كنتم صادقين فلا تبنوا ما لا تسكنون ولا تجمعوا ما لا تأكلون واتّقوا الله الذي إليه ترجعون ( 4 ) ، انتهى .
وعلى ذلك قرن الله تعالى التّوكّل بالإيمان فقال : وعلى الله فتوكّلوا إن كنتم مؤمنين ( 5 ) وقال : وعلى الله فليتوكّل المؤمنون ( 6 ) والله أعلم .
هامش
( 1 ) مجمع البيان : ج 7 - 8 ص 99 .
( 2 ) « الف » العقلية .
( 3 ) الكافي : ج 2 ص 57 ح 1 .
( 4 ) الكافي : ج 2 ص 48 ح 4 .
( 5 ) سورة المائدة : الآية 23 .
( 6 ) سورة إبراهيم : الآية 11 .