بحقّ من انتجبت من خلقك ، وبمن اصطفيته لنفسك ، بحقّ من اخترت من بريتك ومن اجتبيت لشأنك ، بحقّ من وصلت طاعته بطاعتك ومن جعلت معصيته كمعصيتك ، بحقّ من قرنت موالاته
شرح
كان متخلَّعا عن الحياء المانع من ذلك ، كما ورد في الحديث المشهور : إذا لم تستحي فاصنع ما شئت ( 1 ) ، وأنا أستغفر الله تعالى من التفوّه بهذه الاعتبارات ( 2 ) في شرح كلامه عليه السلام ، وحاشا جنابه الشريف من التفريط بالسهو والنسيان فضلا عن الإثم والعصيان ، ولكن حلّ ألفاظ العبارة موجب لهذا البيان ، وأنا أشهد الله باعتقاد عصمته والإقرار بها بالقلب واللَّسان .
وطال الشيء يطول طولا بالضمّ : امتدّ .
والعناء : بالفتح والمدّ : النصب والتعب ، يقال : عنى كتعب وزنا ومعنى ، والمراد بطول عنائه إمّا في الدنيا فبالاهتمام بما اكتسب وطول الفكر في الارتهان بما جنى وكثرة الخشية والاضطراب ممّا اقترف والقدوم على ما قدم ، وأمّا في الآخرة فبالوقوع في جزاء ما أسلف وعقاب ما أجرم إن لم يتغمده الله بغفرانه والله أعلم .
« الباء » للقسم الاستعطافي ، وهو المؤكّد لجملة طلبيّة نحو : بالله هل قام زيد ؟ أي أسألك مستحلفا بالله ، والتقدير هنا أسألك بحق من انتجبت مستحلفا هكذا .
قال كثير من النحوييّن منهم ابن جني ، وابن مالك ، والرضي ( 3 ) ، وابن هشام ( 4 ) ، وأكثر المتأخرين على ذلك ، والمغاربة وجماعة لا يسمّون ذلك قسما بل استعطافا ، لأن القسم لا يجاب إلا بجملة خبرية وهذا إيجاب بالطلب .
ووجهه أنّ القسم يتعلَّق به الحنث والبر ولا يتحقّق ذلك إلا فيما يدخله الصدق والكذب ، ولهذا لا يقولون : أقسم بالله هل قام زيد . وممّن ذهب إلى ذلك
هامش
( 1 ) الخصال ص 20 ح 69 .
( 2 ) « الف » : العبارات .
( 3 ) شرح الكافية في النحو : ج 2 ص 327 .
( 4 ) مغني اللبيب : ص 143 .