شرح
فإن قلت : كيف تكون جملة « إلا أتيت » حالا وقد ذكرت أنّ الماضي فيها معبّر به عن المستقبل لتحقّق وقوعه ، فالإتيان واقع يوم القيامة ؟ والمراد بنفي الخفاء انتفاؤه في الدنيا فلا يقترن زمان الحال بزمان عاملها .
قلت : هي من الحال المقدّرة وهي المستقبلة التي يكون زمان عاملها قبل زمانها ، والتقدير لا تخفى عليك خافية إلا مقدّرا إتيانك بها كقوله تعالى : ادخلوها خالدين ( 1 ) أي مقدرين خلودكم فيها لأنّ زمن الخلود لا يتصوّر مقارنته للدخول .
قوله عليه السلام : « وكفى بك جازيا وكفى بك حسيبا » اعتراض تذييلي لتقرير إتيانه تعالى بكلّ خافية ، وتكرير الفعل في الجملتين لتقوية استقلالهما المناسب للاعتراض وتأكيد كفايته تعالى في كلّ من الجزاء والمحاسبة .
و « الباء » في الموضعين زائدة ومجرورها فاعل كفى ، والمعنى كفيت جازيا وكفيت حسيبا ونصب جازيا وحسيبا على الحال ، وقد تقدّم الكلام على نظير هذه العبارة مبسوطا في الروضة السادسة في شرح دعاء الصباح فليرجع إليه .
وجازيا بالجيم والزاي : اسم فاعل من جزاء على فعله يجزيه جزاء أي كافأه كجازاه مجازاة .
وفي نسخة ابن إدريس : « خازنا » بالخاء المعجمة والنون بعد الزاي اسم فاعل من خزنت الشيء خزنا من باب - قتل - : إذا جعلته في الخزانة حفظا له ، ثم استعمل في مطلق الحفظ وهو المراد هنا ، أي وكفى بك حافظا ، ومنه قوله تعالى : وما أنتم له بخازنين ( 2 ) أي حافظين .
والحسيب : فسر بالكافي وبالمقتدر وبالرقيب وبالعالم وبالمحاسب . قال تعالى :
وكفى بالله حسيبا ( 3 ) .
هامش
( 1 ) سورة الزمر : الآية 73 .
( 2 ) سورة الحجر : الآية 22 .
( 3 ) سورة النساء : الآية 6 .