شرح
فسر يعزب بمعنى يغيب ويبعد عن عمله تعالى ، وجعل قوله : ولا أصغر من ذلك ولا أكبر عطفا على مثقال إذ يصير التقدير في الدعاء : لا تخفى عليك خافية إلا حال إتيانك بها فتخفى ، وفي الآية : وما يعزب عنه شيء إلا في كتاب فيعزب وهذا فاسد لا يصّح ولذلك .
قال الزمخشري وفي العطف على محلّ من مثقال ذرّة أو على لفظ مثقال ذرة فتحا في موضع الجر لامتناع الصرف إشكال لأنّ قولك : لا يعزب عنه إلا في كتاب مشكل انتهى ( 1 ) .
قال السراج الفارسي في الكشف : ويسهل الإشكال بجعل الاستثناء منقطعا فيصير مؤكدا لقوله : لا يعزب عنه كأنّه قيل : كيف يعزب عنه وهو في كتاب مبين ، على إنّ الاتصال له وجه مرضيّ لا سيّما إذا فسر الكتاب المبين بعلم الله تعالى ، ويكون المعنى : لا يغيب عنه شيء إلا في علمه ، ومعلوم أنّ غيبة الشّيء في العلم عين كشفه فهو من باب قوله تعالى : إلا ما قد سلف ( 2 ) ونظيره قولك : فلان لا ينسى إلا في حفظه ، وإن فسّر باللوح المحفوظ أيضا فلا بأس لأنّه محل صور معلوماته انتهى ، وقس على ذلك الكلام في عبارة الدعاء وبيانه على جعل الاستثناء منقطعا أنّ المعنى : كيف تخفى عليك خافية وأنت آت بها والأصل لا تخفى عليك خافية لكن أتيت بها أي أنت آت بها فكيف تخفى عليك ، وذلك إنّ الاستثناء المنقطع للاستدراك وإلا فيه بمعنى لكن ، ولذلك يقدّر كل منقطع بلكن والغرض منه التّأكيد ووجهه أنّ ذكر أداته قبل ذكر ما بعدها يوهم إخراجه مما قبلها ، فإذا وليها شيء يقرّر ما قبلها جاء التأكيد ، وأمّا على جعله متّصلا من باب قوله تعالى :
إلا ما قد سلف ( 3 ) فالمعنى إن أمكن أن تخفى عليك خافية ففي حال إتيانك بها
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف : ج 2 ص 355 .
( 2 ) سورة النساء : الآية 22 .
( 3 ) سورة النساء : الآية 22 .