شرح
قال الزمخشري : سمي الشيء الذي يغيب ويخفى غائبة وخافية فكانت التاء فيهما للنقل من الوصفيّة إلى الاسميّة كالنطيحة والذبيحة ، ويجوز أن يكونا صفتين وتاؤهما للمبالغة كالرواية في قوله : ويل للشاعر من راوية السوء ، كأنّه قال : وما من شيء شديد الغيبوبة والخفاء إلا وقد أثبته الله وأحاط به وأثبته في اللوح المبين ( 1 ) انتهى ملخّصا .
وكلمة « في » من قوله : « في الأرض ولا في السماء » متعلَّقة بمحذوف وقع صفة لخافية مؤكّدا لعمومها المستفاد من وقوعها في سياق النفي ، أي لا تخفى عليك خافية ما كائنة في الأرض ولا في السماء أعم من أن يكون ذلك بطريق الاستقرار فيهما أو الجزئية منهما ويحتمل تعلقها بتخفى وتوسيط حرف النفي بين الأرض والسماء للدلالة على الترقي من الأدنى إلى الأعلى باعتبار القرب والبعد المستدعيين للتفاوت بالنسبة إلى علومنا ، والغرض : لا تخفى عليك خافية في العالم وإنّما عبّر بهما عنه لأنّهما قطراه كما قال تعالى : إنّ الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ( 2 ) مع ما في ذلك من تقرير كمال علمه تعالى في الأفهام فإنّ ذلك عند ذكر الأرض والسماء يكون أقوى لعظمتهما في الحس ، والحس متى أعان العقل على المطلوب كان الفهم أتمّ والإدراك أكمل ، وهذه فائدة ضرب الأمثلة في العلوم .
قوله عليه السلام : « إلا أتيت بها » أي أحضرتها يوم القيامة كما قال تعالى :
وإن كان مثقال حبّة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين ( 3 ) وعبّر بالماضي عن المستقبل لتحقّق وقوعه نحو أتى أمر الله أي الساعة بدليل فلا تستعجلوه ، وفي هذا الاستثناء من الإشكال ما في قوله تعالى : وما يعزب عن ربّك من مثقال ذرّة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين ( 4 ) إذا
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف : ج 3 ص 382 .
( 2 ) سورة آل عمران : الآية 5 .
( 3 ) سورة الأنبياء : الآية 47 .
( 4 ) سورة يونس : الآية 61 .