ولو أنّ أحدا استطاع الهرب من ربّه لكنت أنا أحقّ بالهرب منك ، وأنت لا تخفى عليك خافية في الأرض ولا في السّماء إلا أتيت بها وكفى بك جازيا وكفى بك حسيبا ، اللّهمّ إنّك طالبي إن أنا هربت ومدركي إن أنا فررت ، فها أنا ذا بين يديك خاضع ذليل راغم ، إن تعذّبني فإنّي لذلك أهل وهو يا ربّ منك عدل وإن تعف عنّي فقديما شملني عفوك وألبستني عافيتك .
شرح
الكل باعتبار أن أكثر ظهور أفعال النفس باليد أي لطرحت نفسي ، كقوله تعالى :
ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ( 1 ) أي لا تطرحوا أنفسكم وتوقعوها في الهلاك وقيل : المراد لا تلقوا أنفسكم إلى التهلكة بأيديكم فحذف المفعول ، والباء للآلة كما في : كتبت بالقلم ، وعليه فتقدير عبارة الدعاء : « لألقيت نفسي بيدي » ، قال بعضهم : الإلقاء باليد : عبارة عن الاستسلام للوقوع في الهلكة ، وقيل : معنى ألقيت بيدي : أهلكت نفسي لأنّ طرح الشيء وعدم الاعتداد به يفضى ( 2 ) إلى هلاكه ، وعلى كل تقدير فالمراد بقوله عليه السلام : « لألقيت بيدي » : لآيست من رحمتك وعفوك إذ كان اليأس من رحمته تعالى هو الهلاك الأكبر .
وبهذا المعنى فسر البراء بن عازب وعبيدة السلماني قوله تعالى : ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة قالا : عنى به لا تركبوا المعاصي باليأس عن المغفرة ، نقله أمين الإسلام الطبرسي في مجمع البيان ( 3 ) ، والله أعلم .
« لو » : شرطيّة .
وأحد : أصله وحد ، فأبدلت الواو همزة ويقع على الذكر والأنثى ، وهو هنا بمعنى إنسان أو بمعنى واحد ، ويجوز أن يكون بمعنى شيء عند من أجاز وقوعه بهذا
هامش
( 1 ) سورة البقرة : الآية 195 .
( 2 ) « الف » : يقتضي .
( 3 ) مجمع البيان : ج 1 - 2 ص 289 .