شرح
وقت شئت ، فكيف : لاستغراق الأحوال ، و « أنّى » : لاستغراق الأزمنة بمعنى متى ، ومفعول المشيئة فيهما محذوف والتقدير كيف شئت التدبير وأنّى شئت التدبير ، وكلّ من كيف وأنّى معمول لشئت بعده وهما في محلّ نصب على الحال من تدبيرك ، أي كائنا على أيّ حال شئته ومتى شئته ، وانّما حملنا أنّى على معنى متى ولم نحملها على معنى كيف مع ورودها بمعناها أيضا ترجيحا للتأسيس على التأكيد ، لانّ حمل اللفظ على فائدة جديدة أولى من التأكيد ، إذ كان وضع الكلام انّما هو لإفادة ما لم يكن مفادا ، ولذلك تسمعهم يقولون التأسيس خير من التأكيد .
فإن قلت : ما الفرق بين كيف وأنّى حينئذ فقد صرّح غير واحد بأنّ كيف ظرف أيضا فإن كانت ظرف زمان فقد اتّحدا معنى وان كانت ظرف مكان فليس معناها استغراق الأحوال ؟ .
قلت : قال ابن مالك : لم يقل أحد أنّ كيف ظرف إذ ليست زمانا ولا مكانا ولكنّها لمّا كانت تفسّر بقولك على أيّ حال سمّيت ظرفا ، لأنّها في تأويل الجار والمجرور ، واسم الظرف يطلق عليهما مجازا ( 1 ) .
قال ابن هشام : وهو حسن ( 2 ) .
وكذلك قال الرضي : إنّما عدّت كيف في الظروف لأنّها بمعنى على أيّ حال ، والجار والظرف متقاربان ( 3 ) ، انتهى .
فظهر الفرق بين كيف وأنّى ظرفا بمعنى متى ولا عبرة بما وقع في كلام بعضهم عن أنّ كيف ظرف زمان أو ظرف مكان فإنّه كلام مبناه على غير تحقيق .
فإن قلت كيف ومتى لا تكونان بمعنى استغراق الأحوال واستغراق الأزمنة إلا إذا وقعا شرطين يجازي بهما نحو كيف تصنع أصنع وأنّى تقم أقم ليحصل فيهما
هامش
( 1 ) و ( 2 ) مغني اللبيب : ص 272 .
( 3 ) شرح الكافية في النحو : ص 116 - 117 .