شرح
قال الرضي : وقد تجيء ثمّ في الجمل خاصة لاستبعاد مضمون ما بعدها عن مضمون ما قبلها وعدم مناسبته كقوله تعالى : خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثمّ الذين كفروا بربّهم يعدلون فالإشراك بخالق السماوات والأرض مستبعد غير مناسب وهذا المعنى فرع التراخي ومجازه انتهى ( 1 ) .
والعكوف : الإقبال على الشيء وملازمته يقال : عكف عليه يعكف عكوفا وعكفا ( 2 ) من بابي - قعد - و - ضرب - أي لازمه وأقبل عليه لا يصرف عنه وجهه ، وباللغتين قرئ في السبعة قوله تعالى : يعكفون على أصنام لهم ( 3 ) .
وقوله عليه السلام : « أن عدت عليهم » في محلّ نصب بنزع الخافض لانّ الأصل من « أن عدت عليهم » يقال : منعته من كذا إذا كففته عنه ولا يقال : منعته كذا إلا إذا حرمته إيّاه والمقصود هنا المعنى الأول دون الثاني ، وحذف الخافض مطرّد مع أنّ المشددة وأن المخفّفة ، ومنه قوله تعالى : وما منع الناس أن يؤمنوا ( 4 ) أي من أن يؤمنوا به ، وجوّز سيبويه أن يكون المحل جرّا فيكون من باب حذف الخافض وإبقاء عمله نحو قولهم : لاه أبوك .
وعاد الله علينا برحمته : تفضّل وعطف .
و « الفاء » من قوله عليه السلام : « فيا من رحمته واسعة » للدلالة على ترتّب مضمون الجملة بعدها وهو وصفه تعالى بسعة الرحمة وعظم العفو على ما قبلها من عفوه عن الخاطئين ، ثم عوده عليهم بالرحمة والمغفرة مع عكوفهم على عظيم الجرم وعدم منع ذلك له عن التفضّل والإحسان ، فإنّ ذلك كلَّه لا يكون إلا ممّن اتسعت رحمته وعظم عفوه ولذلك ناداه تعالى بالموصول ليجعل الصلة صريحة في الحكم
هامش
( 1 ) الكافية في النحو : ج 2 ص 367 .
( 2 ) « الف » : عكفا وعكوفا .
( 3 ) سورة الأعراف : الآية 138 .
( 4 ) سورة الإسراء : الآية 94 .