تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين ( ع ) — صفحة 408

مساهمون:

ص٤٠٨
شرح
طورا بحسب اختلاف المقام . والجانب : الناحية وهو هنا مجاز عن النفس كقوله تعالى « ونأى بجانبه » ( 1 ) . قال الزمخشري : وضع جانبه موضع نفسه ، لان مكان الشيء وجهته ينزل منزلة الشيء نفسه ومنه قوله : ذعرت به القطا ونفيت عنه * مقام الذئب كالرجل اللَّعين ومنه : « ولمن خاف مقام ربّه » وقول الكتاب : حضرت فلان ومجلسه ، وكتبت إلى جهته وإلى جانبه العزيز ، يريدون نفسه وذاته ، فكأنّه قال : ونأى بنفسه ( 2 ) . إذا عرفت ذلك فقوله عليه السلام : « وألن جانبه » أي ألن نفسه فلفظ الجانب كناية مطلوب بها نفس المدعو له ، ومجموع الجملة كناية مطلوب بها توفيقه للرفق وسجاحة الخلق والحلم والتعطَّف على أولياء الله تعالى كما وفق لذلك نبيّه الذي أرسله رحمة للعالمين فقال مخاطبا له : « فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظَّا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم » ( 3 ) وبيان الحكمة في ذلك أنّ كلا من النبيّ ووصيّه إمام العالمين ، فوجب أن يكون أكثرهم حلما ، وأحسنهم خلقا لانّ الغرض من إقامته ونصبه التزام التكاليف ، وذلك لا يتمّ إلا إذا مالت قلوب الأمّة إليه وسكنت نفوسهم لديه ورأوا فيه آثار الشفقة وأمارات النصيحة وحبّ الخير لهم وأخذهم باللطف والرفق ، ولذلك قال بعض الصحابة : لقد أحسن الله إلينا كلّ الإحسان فلو جاءنا رسول الله صلى الله عليه وآله بهذا الدين جملة وبالقرآن دفعة لثقلت هذه التكاليف علينا فما كنّا ندخل في الإسلام ولكنّه دعانا إلى كلمة واحدة فلمّا قبلناها وعرفنا حلاوة الإيمان قبلنا ما وراءها كلَّه على سبيل
هامش
( 1 ) سورة الإسراء : الآية 83 . ( 2 ) تفسير الكشاف : ج 4 ص 205 - 206 . ( 3 ) سورة آل عمران : الآية 159 .