شرح
وقال الراغب : القضاء من الله أخصّ من القدر لأنّ القضاء الفصل والقدر هو التقدير ، وذكر بعض العلماء : أنّ القدر بمنزلة المعدّ للكيل ، والقضاء بمنزلة الكيل ولهذا قال أبو عبيدة لعمر لمّا أراد الفرار من الطاعون بالشام : أتفرّ من قضاء الله ؟ قال : أفرّ من قضاء الله إلى قدر الله ، تنبيها على أنّ القدر ما لم يكن قضاء فمرجوّ أن يدفعه الله فإذا قضى فلا مدفع له ، ويشهد لذلك قوله تعالى : وكان أمرا مقضيّا ( 1 ) وقوله : وقضي الأمر ( 2 ) أي فصل ، تنبيها على أنّه صار بحيث لا يمكن تلافيه ( 3 ) انتهى .
وإرادته تعالى : إيجاده للأشياء بحسب اختياره كما روي عن أبي الحسن عليه السلام : إرادته إحداثه لا غير ( 4 ) .
والعزم : مصدر عزم على الشيء يعزم عزما من باب - ضرب - إذا أراد فعله وقطع عليه ، ولمّا كانت الإرادة من غيره تعالى قد تقترن بالعزم ، وقد يتجرّد ( 5 ) عنه بحسب تصوّر المنفعة حكم بأنّ إرادته تعالى لا تكون إلا عزما ، لأنّه متى اختار شيئا أوجده من غير توقّف على شيء ، فإرادته التي هي إيجاده وإحداثه لما يشاء عين العزم كما قال سبحانه : إذا قضى أمرا فإنّما يقول له كن فيكون ( 6 ) .
وقيل : إرادته تعالى تعود إلى اعتبار كونه تعالى عالما بما في الفعل من الحكمة والمصلحة الذي هو مبدأ فعله ، وعلى هذا فمعنى كونها عزما أن وجود الممكنات لا يتخلَّف عنها .
وقال بعض أصحابنا المتأخرين : معنى قوله عليه السلام : « قولك حكم وقضاؤك حتم » أي إنّ قولك موصوف بالحكم وقضاءك موصوف بالحتم بمعنى أنّ الحكم والحتم ثابتان لهما فلا ينافي ثبوت قضاء غير حتم ، فتأمّل انتهى ، وهو كلام
هامش
( 1 ) سورة مريم الآية 21 .
( 2 ) سورة يوسف : الآية 41 .
( 3 ) المفردات : ص 406 - 407 .
( 4 ) مجمع البحرين : ج 3 ص 56 .
( 5 ) " الف " : تتجرد .
( 6 ) سورة البقرة : الآية 117 .