شرح
في الرتبة المتخيّلة كمالا .
الثالث : العلوّ العقلي كما يقال : في بعض الكمالات العقليّة التي بعضها أعلى من بعض ، وكما يقال : السبب أعلى من المسبّب .
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّه يستحيل أن يكون علوّه تعالى بالمعنى الأوّل لتنزّهه عن الجسميّة والمكان ، ويستحيل أن يكون بالمعنى الثاني أيضا لتنزّهه عن الكمالات الخياليّة التي يصدق بها العلوّ الخيالي ، إذ هي كمالات إضافيّة تتغيّر وتتبدل بحسب الأشخاص والأوقات ، وقد تكون كمالات عند بعض الناس ونقائص عند آخرين ، كالمناصب الدنيويّة بالنسبة إلى العلماء الربانيين والزهّاد المتألَّهين ، وتتطرّق إليه الزيادة والنقصان ولا شيء من كمال الواجب سبحانه ، كذلك لتنزّهه عن النقصان والتغيّر بوجه من الوجوه ، فبقي أن يكون علوه علوّا عقليّا مطلقا ، بمعنى أنّه لا مرتبة ( 1 ) فوق رتبته ، بل جميع المراتب العقليّة منحطَّة تحته .
وبيان ذلك أنّ أعلى مراتب الكمال العقليّ هو مرتبة العليّة ( 2 ) ، ولمّا كانت ذاته المقدّسة هي مبدأ كلّ موجود حسّي وعقليّ ، وعلَّته التّامّة المطلقة التي لا يتصوّر النقصان فيها بوجه ما ، لا جرم كانت مرتبته أعلى المراتب العقليّة مطلقا ، وله الفوق المطلق في الوجود العاري عن الإضافة إلى شيء ، وعن إمكان أن يكون فوقه ما هو أعلى منه ، وذلك معنى قوله عليه السلام : « فلك العلوّ الأعلى فوق كلّ عال » وتقديم الظرف الذي هو الخبر للتخصيص ، أي لك العلوّ الأعلى وحدك لا لأحد غيرك .
فإن قلت : قد قررت أنّ « الفاء » من قوله : « فلك » للسببيّة ، وعلوّه تعالى بالمعنى المذكور ليس متسببا عن الأوصاف المذكورة قبل الفاء ، فكيف تكون
هامش
( 1 ) " الف " : رتبة .
( 2 ) " الف " : العقلية .