يا من يرحم من لا يرحمه العباد ، ويا من يقبل من لا تقبله البلاد ، ويا من لا يحتقر أهل الحاجة إليه ، ويا من لا يخيّب الملحّين عليه ، ويا من لا يجبه بالرّدّ أهل الدّالَّة عليه ، ويا من يجتبي صغير ما يتحف به ، ويشكر يسير ما يعمل له ، ويا من يشكر على القليل ويجازي بالجليل ، ويا من يدنو إلى من دنا منه ، ويا من يدعو إلى نفسه من أدبر عنه ، ويا من لا يغيّر النّعمة ، ولا يبادر بالنّقمة ، ويا من يثمر الحسنة حتّى ينميها ، ويتجاوز عن السّيّئة حتّى يعفّيها .
شرح
الرّحمة قيل : هي ترك عقوبة من يستحقّها ، وقيل : إيصال الخير ودفع الشرّ ، وأصلها : الرّقة والتعطَّف كما تقدّم بيانه .
ولمّا كانت رحمته تعالى تشمل جميع الموجودات من طريق الخلق والرزق والنفع ودفع الضرّ من غير شائبة غرض ولا ضميمة علَّة وكانت رحمة غيره من العباد لا تخلو من علَّة وغرض وهو طلب عوض عليها إمّا ثواب آجل أو ثناء عاجل وإمّا إزالة رقّة الجنسيّة أو إزاحة خساسة البخل فإذا انتفت العلَّة وعدم الغرض انتفت الرحمة ضرورة انتفاء المعلول لانتفاء العلَّة لا جرم صدق أنّه سبحانه يرحم من لا يرحمه العباد ومع ذلك فعفوه عن المجرمين وحلمه عن الخاطئين مع انتهاكهم من حرماته ما لو انتهكه أحد من حرمة أدنى مقتدر على الانتقام لعاجله به ولم يبق عليه .
قال بعض العارفين : من كمال رحمته ستره لعيوبك وهو يعلم منك ما لو علمه أبواك لفارقاك ، ولو علمت به امرأتك لجفتك ، ولو اطلعت عليه أمتك لأقدمت على الفرار ، ولو علمه جارك لسعى في تخريب دارك فأيّ رحمة أكمل من رحمته .
وعن عمران بن الحصين قال : كان في عهد النبي صلَّى الله عليه وآله شاب فيه إتراف ورهق وكان له أب يزجره فلا ينزجر فلمّا فارق الدنيا لم يصلّ عليه أبوه ولم يصلح من تجهيزه ما ينبغي أن يفعله فلمّا جنّ عليه الليل رأى ابنه في النيام ( 1 ) في
هامش
( 1 ) " الف " المنام .