تستر على من لو شئت فضحته ، وتجود على من لو شئت منعته ، وكلاهما أهل منك للفضيحة والمنع غير أنّك بنيت أفعالك على التّفضّل وأجريت قدرتك على التّجاوز ، وتلقّيت من عصاك بالحلم ، وأمهلت من قصد لنفسه بالظَّلم ، تستنظرهم بأناتك إلى الإنابة ، وتترك معاجلتهم إلى التّوبة لكيلا يهلك عليك هالكهم ، ولا يشقى بنعمتك شقيّهم إلا عن طول الإعذار إليه ، وبعد ترادف الحجّة عليه ، كرما من عفوك يا كريم ، وعائدة من عطفك يا حليم .
شرح
« وتكافئ من حمدك » : أي تجازيه وتثيبه عليه مع أنّك علَّمته حمدك ، وتقديم الشكر على الحمد في الذكر من باب الترقي إذ كان الحمد رأس الشكر كما تقدّم بيانه في أوّل الروضة الرابعة والأربعين
( 1 ) ، والله أعلم * .
ستره سترا ، من باب قتل : غطَّاه وستره تعالى على عبده عبارة عن إخفاء مساوئه وعدم اطلاع الخلق على فضائحه وعيوبه . ومنه الحديث : من ستر أخاه المسلم في الدنيا ستره الله يوم القيامة
( 2 ) .
وتعديته ب « على » لتضمينه معنى الإشفاق والإبقاء وإنّما أصله أن يتعدى بنفسه كما وقع في الحديث وورد في حديث آخر معدّى ( 3 ) ب « على » للتضمين المذكور وهو قوله عليه السلام : من ستر على مؤمن عورة فكأنّما أحيا ميّتا ( 4 ) .
وحذف مفعول فعل المشيئة والإرادة ونحوهما مطَّرد إذا وقع شرطا ، أي لو شئت فضيحته فضحته ، ولو شئت منعه منعته ، كقوله تعالى : فَلَوْ شَاءَ لهَديكُمْ
هامش
( 1 ) أنظر ص 18 .
( 2 ) نهج الفصاحة : ص 616 ح 3020 .
( 3 ) " الف " : فعدى .
( 4 ) الجامع الصغير : ج 2 ص 173 .