شرح
الثاني : أنّ الندم على العطاء إنّما يكون لأحد أمرين ( 1 ) :
إمّا لتضرّر المعطي بذلك العطاء الذي ندم عليه ، والتضرّر على الله تعالى محال .
وإمّا لظهور عدم قابليّة من أعطاه لذلك العطاء فيتمنّى أنّه لم يقع ، وذلك محال عليه سبحانه لاستلزامه الجهل السابق ، وهو محال كما عرفت .
الثالث : أنّ ما يصدر عنه تعالى من عطاء ومنع مضبوط بنظام الحكمة والعدل ، كما قال في محكم كتابه : وإنْ مِنْ شَيءٍ إلا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إلا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ( 2 ) أي ملتبسا بمقدار معيّن تقتضيه الحكمة وتستدعيه المشيّة ( 3 ) التابعة لها ، وما كان عن حكمة مقتضية ( 4 ) له يستحيل الندم عليه .
وكافأته كفاء ومكافأة : جزيته بالإحسان إحسانا ، وبالإساءة إساءة وأصله من « الكفؤ » بمعنى المثل .
والسواء : اسم مصدر بمعنى الاستواء ، يقال : هما على سواء في هذا الأمر وعلى سويّة ، أي على تعادل وتماثل من غير تفاوت ، ثم أطلق على العدل واستعمل استعماله . ومنه قول زهير :
أروني خطة لا خسف فيها * يسوى بيننا فيها السواء ( 5 )
والمعنى : أنّه تعالى لا يكافئ عبده على عمله بالسويّة ، بل إن كان إحسانا ضاعفه له كما قال عزّ وجلّ : مَنْ جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمثالِها ( 6 ) وإن كان سيّئة غفرها له ، كما قال تبارك وتعالى : وإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلناسِ عَلى ظُلْمِهِمْ ( 7 ) وإن عذّبه عليها فبعد إنذار وإمهال لا يستحقّه ، بل تفضّلا منه فصحّ أنّه
هامش
( 1 ) " الف " : الأمرين .
( 2 ) سورة الحجر : الآية 21 .
( 3 ) " الف " المشيئة .
( 4 ) " الف " : الحكمة المقتضية .
( 5 ) لسان العرب : ج 14 ص 412 .
( 6 ) سورة الأنعام : الآية 160 .
( 7 ) سورة الرعد : الآية 6 .