حتّى إذا احتجت إلى رزقك ولم أستغن عن غياث فضلك جعلت لي قوتا من فضل طعام وشراب أجريته لأمتك الَّتي أسكنتني جوفها ، وأودعتني قرار رحمها .
شرح
قال البدر الدمامينيّ في تحفة الغريب : الذي يظهر من كلام الجماعة أنّ استعمال الفاء فيما تراخى زمان وقوعه عن الأوّل ، سواء استقصر في العرف أو لا إنّما هو بطريق المجاز ( 1 ) . انتهى .
وللرضيّ رحمه الله في ذلك تقرير آخر ، فإنّه قال : اعلم أنّ إفادة الفاء للترتيب بلا مهلة لا ينافيها كون الثاني المترتب يحصل بتمامه في زمان طويل ، إذا كان أوّل أجزائه متعقّبا لما تقدّم ، كقوله تعالى : أَلمْ تَر أَنَّ الله أَنْزَلَ مِنَ السَّماء مَاء فتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضرَّةً ، فإنّ اخضرار الأرض يبتدئ بعد نزول المطر ، لكن يتمّ في مدّة ومهلة فجيء بالفاء . وقال : فتصبح ، نظرا إلى أنّه لا فصل بين نزول المطر ، وابتداء الاخضرار ، ولو قيل : مثلا ثمّ تصبح الأرض مخضرّة ، نظرا إلى تمام الاخضرار ، جاز .
وكذا قوله تعالى : ثمَّ جَعَلْناه نُطفَةً فِي قَرار مَكِينٍ ، ثُمَّ جَعَلْنا النطفة علقَةً ، نظرا إلى تمام صيرورتها علقة ، ثمّ قال : فَخَلَقْنا العَلقَةَ مُضْغة ، فخلقنا المغضة عِظَاما فَكسَوْنَا العِظَامَ لَحْمَا نظرا إلى ابتداء كلّ طور . ثمّ قال : ثُمَّ أَنْشَأناهُ خَلقَا آخر ، إمّا نظرا إلى تمام الطور الأخير ، وإمّا استبعادا لمرتبة هذا الطور الذي فيه كمال الإنسانيّة من الأطوار المتقدّمة ( 2 ) . انتهى . كلامه .
وما قرّرناه أوّلا أولى كما لا يخفى . والله أعلم .
حتّى : حرف ابتداء داخل على الجملة بأسرها ، ولا عمل له عند الجمهور .
و « إذا » : ظرفيّة كما مرّ مرارا .
هامش
( 1 ) تحفة الغريب بهامش كتاب المنصف من الكلام : ج 1 ص 317 .
( 2 ) شرح الكافية في النحو : ج 2 ص 367 .