شرح
الأولى : عبّر في الأوّل بخلقنا لصدقه على الاختراع والإيجاد ، لعدم سبق المادّة الأصليّة ، وفي الثاني بجعلنا ، لصدقه على تحويل المادة . ثمّ عبّر في الثالثة وما بعدها كالأوّل ، لأنّه أيضا إيجاد ما لم يسبق .
الثانية : أشار بقوله : « سلالة » - وهي الخلاصة المختارة من الكيفيّات الأصليّة بعد الامتزاج - إلى أنّ المواليد كلَّها أصول للإنسان وأنّه المقصود بالذات ، الجامع لأصولها .
الثالثة : قوله : « فكسونا » فيه إشارة إلى أنّ اللحم ليس من أصل الخلقة الملازمة للصورة ، بل كالثياب المتّخذة للزينة والجمال ، وأنّ الاعتماد على الأعضاء والنفس خاصّة .
الرابعة : قوله : « ثمّ أنشأناه » سمّاه بعد نفخ الروح إنشاء ، لأنّه حينئذ قد تحقّق بالصورة الجامعة .
الخامسة : قوله : « خلقا آخر » ولم يقل : إنسانا ، ولا آدميّا ، ولا بشرا لأنّ النظر فيه حينئذ لما سيفاض عليه من خلع الأسرار الإلهيّة فقدان خروجه من السجن ، وإلباس المواهب فقد يتخلَّق بالأخلاق الملكيّة فيكون خلقا ملكيّا قدسيّا ، أو بالبهيميّة فيكون كذلك ، أو بالحجريّة ، إلى غير ذلك ، فلذلك أبهم الأمر ، وأحاله على مشيّته واختياره ، كما صرّح به عليه السّلام بقوله : « كما شئت . »
السادسة : عطف جعل النطفة على الطينة بثمّ ، لبعد الزمان بينهما لتوليد الأغذية أوّلا ، ثمّ التنمية ، ثمّ فصل النطفة ، ثمّ وضعها في القرار .
وعطف جعل العلقة على النطفة ، كذلك لبعد الزمان أيضا لأنّ اكتناف النطفة حتّى تأخذ في التخلَّق أمر دقيق ، يستدعي زمنا ، ثمّ إحاطة الأغشية بها ، ثمّ تسليط الحرارة ، ثمّ انفتاح فوهات العروق للتغذية النباتيّة .
وعطف الباقي بالفاء التّي لا تقتضي المهلة ، لسهولة الانتقال في هذه المراتب ، إذ تحوّل العلقة إلى المضغة ليس إلا بالتصلَّب ، وهي إلى العظام بزيادته ، واكتساء