اللّهمّ وأنت حدرتني ماء مهينا من صلب متضائق العظام ، حرج المسالك إلى رحم ضيّقة ، سترتها بالحجب ، تصرّفني حالا عن حال حتّى انتهيت بي إلى تمام الصّورة ، وأثبتّ فيّ الجوارح ، كما نعتّ في كتابك ، نطفة ثمّ علقة ثمّ مضغة ثمّ عظاما ، ثمّ كسوت العظام لحما ، ثمّ أنشأتني خلقا آخر كما شئت .
شرح
وإزالة الضرر ، والرحمة اسم جامع . وقيل : الرحمة أكثر من الرأفة ، والرأفة أقوى منها في الكيفيّة ، لأنّها عبارة عن إيصال النعم صافية عن ألم والرحمة إيصال النعم مطلقا ، وكان سبحانه أرأف من استرحم ، لأنّ رأفته بلا غاية ، ورحمته بلا نهاية .
والفاء من قوله : « فارحمني » للسببيّة ، أي إذا كنت كذلك فارحمني .
حدرت الشيء حدرا وحدورا - من باب قعد - : أنزلته إلى موضع منحدر ، أي منخفض .
وفي الصحاح : حدرت السفينة أحدرها حدرا أرسلتها إلى أسفل ، ولا يقال :
أحدرتها ( 1 ) .
و « ماء » نصب على الحال .
والمهين : فعيل من مهن الشيء - بالضمّ - مهانة : أي حقر وضعف ، وفيه تلميح إلى قوله تعالى في السجدة : ثُمَّ جَعلَ نَسلَهُ مِنْ سُلالةٍ مِنْ ماء مَهِيْنٍ ( 2 ) وفي المرسلات « ألمْ نَخْلُقكُمْ مِنْ مَاء مَهِيْنٍ » ( 3 ) .
قال الطبرسيّ : أي ضعيف ، عن قتادة . وقيل : حقير مهان ، إشارة إلى أنّه من شيء حقير ، لا قيمة له ، وإنما يصير ذا قيمة بالعلم والعمل ( 4 ) . انتهى .
والصلب - بالضمّ - : عظم يبتدئ من حدّ عظم الرأس المؤخّر ، وينتهي إلى عظم العصعص .
قال صاحب الكامل : وعظم الصلب ينقسم إلى أربعة أجزاء : أحدها : العنق ،
هامش
( 1 ) الصحاح : ج 2 ص 625 .
( 2 ) سورة السجدة : الآية 8 .
( 3 ) سورة المرسلات : الآية 20 .
( 4 ) مجمع البيان : ج 7 - 8 ص 327 .