تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين ( ع ) — صفحة 509

مساهمون:

ص٥٠٩
شرح
والسرعة والبطء في شيء واحد بالذات وهو كيفيّة واحدة قابلة للشدّة والضعف ، وإنّما يختلفان بالإضافة العارضة لهما ، فما هو سرعة بالقياس إلى شيء هو بعينه بطؤ بالقياس إلى آخر ، ووصفه عليه السّلام القمر بالسرعة إشارة إلى سرعة حركته العرضيّة التي تكون بتوسّط فلك تدويره فإنّه أسرع من سائر الكواكب حركة بهذا الاعتبار ، أمّا الثوابت فظاهر لكون حركتها من أبطأ الحركات حتى أنّ القدماء لم يدركوها فقيل : إنّها تتمّ الدورة في ثلاثين ألف سنة ، وقيل : في ستّة وثلاثين ألف سنة ، وأمّا السيّارات فلأنّ زحل يتمّ الدورة في ثلاثين سنة ، والمشتري في اثنتي عشرة سنة ، والمرّيخ في سنة وعشرة أشهر ونصف شهر ، وكلا من الشمس والزهرة وعطارد في قريب سنة ، وأمّا القمر فيتمّ الدّورة في نحو من ثمانية وعشرين يوما فكان أسرعها حركة ، وأمّا حركته الذاتيّة وإن قال : بها جمّ غفير من أساطين الحكماء حيث أثبتوا لجميع الكواكب حركة ذاتية تدور بها على أنفسها فهي على تقدير ثبوتها غير محسوسة ولا معروفة ، فحمل وصف القمر بالسرعة على هذه الحركة بعيد ، نعم لا يبعد حمله على حركته المحسوسة على أنّها ذاتيّة له كما ذهب إليه بعضهم من جواز كون بعض حركات السيّارات في أفلاكها من قبيل حركة السابح في الماء ، ويؤيّده ظاهر قوله تعالى : « والشّمس والقمر كلٌّ في فلكٍ يسبحون ( 1 ) ، والله أعلم . قوله عليه السّلام : « المتردّد في منازل التقدير » يقال : تردّدت إلى فلان : أي رجعت إليه مرّة بعد أخرى وتردّدت في الطريق إذا سرت فيها مرّة بعد أخرى . والمراد بمنازل التقدير : منازل القمر التي قدرت له أي جعلت له على مقدار مخصوص ووجه مخصوص حسب ما اقتضته الحكمة وهي المشار إليها بقوله تعالى : « والقمر قدّرناه منازلَ حتى عاد كالعرجون القديم ( 2 ) وقوله تعالى : « هو الذي جعل الشمس ضياءً والقمر نورا وقدّره منازل لتعلموا عدد السّنين والحساب ( 3 ) ،
هامش
( 1 ) سورة الأنبياء : الآية 33 . ( 2 ) سورة يونس : الآية 39 . ( 3 ) سورة يونس : الآية 5 .