شرح
ويحبّ أن يكون مخدوما آمرا . فسعي الإنسان في الرئاسة سعي في مخالفة كلّ من سواه . ولا ريب أنّ هذا الأمر صعب الحصول ، منيع المرام ، وإذا ناله كان على شرف الزوال في كلّ حين وأوان ، لأنّ كثرة الأسباب توجب قوّة حصول الأثر ، فيكون دائما في الخوف والحزن .
فإذا تأمّل العاقل في هذه المعاني علم قطعا أنّه لا صلاح في اللذّات العاجلة .
ولكن النفس جبلت على طلبها ، والرغبة فيها ، فيكون دائما غريقا في بحر الآفات ، وغمرات الحسرات . فحينئذ يتمنّى زوال هذه الحياة .
تتمّة قال بعض العلماء : الناس في محبّة الموت ثلاثة أضرب :
الأوّل : حكيم يعلم انّ الحياة تسترقّه والموت يعتقه ، وأنّ الانسان في هذا المآل - وإن طال فيه لبثه - كخطفة برق لمعت في أكناف السماء ثم عادت للاختفاء ، وأنّه في دنياه كمبعوث إلى ثغر يحوطه ، وبلد يسوسه ، يراعي ما استرعى ، ويسرّ إذا دعى ، ولا يتكأدّه خروجه منها إلا بقدر ما يفوته من خدمة ربّه ، والازدياد من قربه . ولهذا المعنى ورد في بعض الأخبار مدح الحياة والنّهي عن تمنّي الموت .
والثاني : رجل أنس بهذا العالم فألفه وإن كرهه ، فسبيله سبيل من ألف بيتا مظلما قذرا ولم ير غيره ، فهو يكره الخروج منه وإن كان قد كره الدخول فيه . كما قال الشاعر :
دخلنا كارهين لها فلمّا * ألفناها خرجنا مكرهينا
وما حبّ البلاد بنا ولكن * أمرّ العيش فرقة من هوينا
فهذا حتى خرج عن دنياه ، واطلع على ما أعدّ للصالحين - ممّا لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر - سرّ بخلاصه كما حكى الله تعالى عمّن استقرّ بهم القرار في جنّة النعيم ، حيث قالوا : « الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا