شرح
بلا موت ، وغنى بلا فقر ، ونعيم بلا شقاء ، وأعظم من ذلك الفوز باللقاء الخالص لمحبوبهم الأقصى . وإليه الإشارة بقوله تعالى : « قُل يا ايُّها الذين هادوا إنْ زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنّوا الموت ان كنتم صادقين » ( 1 ) دلَّت الآية على أنّ الصادق في الولاية لله يتمنّى الموت ، وكذلك قوله تعالى : « قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصةً من دون الناس فتمنّوا الموت إن كنتم صادقين » ( 2 ) .
ومن كلام أمير المؤمنين عليه السّلام : « والله لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أمّه » ( 3 ) .
وكان عليه السّلام يطوف بين الصفين في غلاله : فقال له ابنه الحسين عليه السّلام : ما هذا بزي المحاربين فقال : يا بني لا يبالي أبوك على الموت سقط ، أم سقط الموت عليه ( 4 ) .
ومن كلام له قبل موته : والله ما فجأني من الموت وارد فكرهته ، ولا طالع أنكرته ، وما كنت إلا كقارب ورد ، وطالب وجد ، وما عند الله خير للأبرار ( 5 ) .
وعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه : أنه كان يتمنى الموت ، فلما احتضر قال :
حبيب جاء على فاقة ، لا أفلح من ندم ( 6 ) يعني على التمنّي .
وقال أهل التحقيق : لا يبعد من الرجل العاقل إذا كمل عقله أن تعظم رغبته في الموت لوجوه :
منها : أنّ مراتب الموجودات ثلاثة ، المؤثّر الذي لا يتأثّر وهو الإله تعالى وتقدّس ، والمتأثر الذي لا يؤثّر وهو عالم الأجساد ، فإنّها قابلة للتشكيل والتصوير والصفات المختلفة والأعراض المتضادّة . ويتوسّطهما قسم ثالث وهو عالم الأرواح ، لأنّها تقبل
هامش
( 1 ) سورة الجمعة : الآية 6 .
( 2 ) سورة البقرة : الآية 94 .
( 3 ) نهج البلاغة : ص 52 .
( 4 ) التفسير الكبير للفخر الرازي : ج 3 ص 190 .
( 5 ) نهج البلاغة : ص 378 الرسالة 23 .
( 6 ) تفسير أنوار التنزيل وأسرار التأويل : ج 1 ص 70 .