شرح
فالأوّل : من طيّب أرضا ، وبذرها في وقت الزراعة بذرا غير متعفن ولا متآكل ، ثمّ أمدّه بالماء العذب وسائر ما يحتاج إليه في أوقاته ، ثمّ نقّاه وصانه عمّا يمنع نباته ويفسده من النباتات الخبيثة ، ثمّ انتظر من فضل الله تعالى منع الآفات المفسدة له إلى تمام زرعه ، وبلوغ غايته ، فذلك أمله ورجاؤه في محلَّه ، إذ كان في مظنة أن يفوز مقصوده ( 1 ) من ذلك الزرع . وهكذا حال العبد إذا بذر المعارف الإلهيّة في أرض نفسه في وقته ، وأبّانه ، وهو مقتبل العمر ، ومبدء التكليف ، ودام على سقيه بالطاعات ، واجتهد في طهارة نفسه عن شوائب الأخلاق الرديّة التي تمنع نماء العلم وزيادة الإيمان ، وتوقّع من فضل الله تعالى وكرمه أن يثبته على ذلك إلى زمان وصوله ، وحصاد عمله ، فذلك التوقّع هو الأمل المحمود والرجاء الممدوح ، وهو درجة السابقين .
والثاني : من بذر في أرض طيّبة كذلك ، إلا أنّه بذر في أخريات الناس ، ولم يبادر إليه في أوّل وقته ، أو قصّر في بعض أسبابه ، ثم أخذ ينتظر ثمرة ذلك الزرع ، ويرجو الله في سلامته له ، فهو من جملة المؤمّلين والراجين أيضا ، وكذلك العبد إذا ألقى بذر الإيمان في نفسه ، لكنّه قصّر في بعض أسبابه ، إمّا ببطنه في البذر أو في السقي ، إلى غير ذلك ممّا يوجب ضعفه ، ثمّ أخذ ينتظر وقت الحصاد ، ويتوقّع من فضل الله تعالى أن يبارك له فيه ، ويعتمد على أنّه هو الرزّاق ذو القوّة المتين ، فيصدق عليه أنّه ذو أمل ورجاء أيضا ، إذ أكثر أسباب المطلوب التي من جهته حاصلة ، وهذه درجة اللاحقين .
والثالث : من لم يحصل على بذر ، أو بذر في أرض سبخة ، أو ذات شاغل عن الإنبات ، ثمّ أخذ يتوقّع الحصاد ، فتوقعه هو الحمق والغرور ، ومثله حال العبد إذا لم يزرع من قواعد الإيمان في نفسه شيئا أصلا ، أو زرع ولم يلتفت إلى سقيه بماء
هامش
( 1 ) " ألف " : بمقصوده .