فأزح عنّا ريب الارتياب ، وأيّدنا بيقين المخلصين ، ولا تسمنا عجز المعرفة عمّا تخيّرت فنغمط قدرك ، ونكره موضع رضاك ، ونجنح إلى التي هي أبعد من حسن العاقبة ، وأقرب إلى ضدّ العافية .
شرح
والإشارة بذلك إلى الإلهام ، أو إلى معرفة الاختيار . والمراد معرفة اختياره تعالى لما يختاره له ، أي وجه الحكمة والمصلحة فيه ، ليكون سببا للرضا بقضائه تعالى ، والتسليم لحكمه . لأنّه إذا عرف خيريّة ما اختاره الله تعالى ، تلقّاه بالقبول والرضا ، وأخلص التسليم لما حكم وقضى .
وغرضه عليه السّلام بذلك تأييد إيقانه ، وازدياد قلبه اطمئنانا إلى اطمئنانه ، كما قال إبراهيم عليه السّلام « بلى ولكنْ ليطمئنّ قلبي » ( 1 ) وإلا فالعلم بأنّه تعالى عدل حكيم ، لا يفعل شيئا إلا على ما تقتضيه الحكمة ، وتستدعيه المصلحة كاف في الرضا والتسليم . على أنّ للرضا مبدأ ومنتهى ، فمبدأه سكون القلب إلى أحكام الله تعالى ، ومنتهاه فرح القلب وسروره بنزول الأحكام في الحلو والمرّ . فسؤاله عليه السّلام معرفة الاختيار لحصول المنتهى ، وإن كان الأوّل حاصلا ، وهو من باب سؤال حقّ اليقين بعد علم اليقين . والله أعلم .
الفاء : عاطفة سببيّة .
وزاح الشيء يزيح زيحا : بعد وذهب ، وأزاحه غيره .
وفي الأساس : أزاح الله العلل ، وأزحت علته فيما يحتاج إليه ، وزاحت علَّته وانزاحت ، وهذا ممّا تنزاح به الشكوك عن القلوب ( 2 ) .
والريب : قلق النفس واضطرابها .
والارتياب : الشكّ ، مصدر ارتاب في الأمر ، إذا شكّ فيه . أي أذهب عنّا القلق والاضطراب الذي يوجبه الشكّ ، أو ما يقلق النفس ، ويشخص بالقلب من
هامش
( 1 ) سورة البقرة : الآية 260 .
( 2 ) أساس البلاغة : ص 280 .