اللهُمَّ فَكَما أمَرْتَ بِالتَوْبَةِ وَضَمِنْتَ القَبُولَ ، وَحَثثْتَ عَلى الدُعاءِ وَوَعَدْتَ الإِجابَة ، فَصَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَاقْبَلْ تَوْبَتِي ، وَلا تَرْجِعْنِي مرْجِعَ الخَيْبَةِ مِنْ رَحْمَتِكَ ، إنَّكَ أنْتَ التَوّابُ عَلى المُذْنِبينَ ، وَالرّحيمُ للْخاطِئينَ المُنيبينَ .
شرح
وعبارة الدعاء من هذا الباب ، والنكتة فيها إمّا الاحتياط وهو ظاهر ، وإمّا تقرير وقوع الجزاء وتحقّقه ، حيث علَّق ندمه وإنابته واستغفاره بكينونة الندم توبة وترك المعصية إنابة والاستغفار حطَّة ، وذلك أمر محقّق ثابت بالنصّ والإجماع ، فكان المعلَّق بها محقّقا ثابتا مثلها .
والحاصل : أنّها قضيّة شرطية متّصلة ، حكم فيها باتّصال تحقّق التالي بتحقّق المقدّم في نفس الأمر اتّصالا على سبيل اللزوم ، حتّى إذا تحقّق هذا فيه تحقّق ذاك قطعا ، لكنّ المقدّم متحقّق فالتالي مثله .
وقوله عليه السّلام : « فأنا أوّل المنيبين » عبارة عن مسارعته إلى الاتّصاف بالإنابة من غير توقّف ولا إبطاء ، والله أعلم * .
الفاء : لترتيب مضمون الكلام على ما ينبئ عنه السياق ، من تحقّق توبته وإنابته واستغفاره .
والكاف : إمّا للتعليل عند من أثبتها له ، وما : مصدريّة كقوله تعالى :
« وَاذْكُرُوهُ كمَا هَداكُم » ( 1 ) ، والتقديم للقصر ، أي : لأجل أمرك بالتوبة وضمانك القبول لا لغيره .
قال ابن هشام : وزعم الزمخشري وابن عطيّة وغيرهما أنّ « ما » في الآية كافّة ، وفيه إخراج الكاف عمّا ثبت لها من عمل الجرّ لغير مقتض ( 2 ) ، انتهى .
وإمّا للتشبيه بجعله من وضع الخاصّ موضع العامّ ، كما تقدّم بيانه غير مرّة ،
هامش
( 1 ) سورة البقرة : الآية 198 .
( 2 ) مغني اللبيب : ص 234 .