شرح
إلى الله جلّ شأنه .
قالوا : والقوى الأرضيّة كلَّها كالنفوس الفلكيّة في أنّ الغاية في أفاعليها هو التشبيه بما فوقها إلى أن تنتهي سلسلة التشبّهات إلى الغاية القصوى « وَأنّ إلى ربِّكَ المُنتهى » ( 1 ) . ومن هنا قال بعض أرباب القلوب : لقد أتّصل بالسماء والأرض من لذيذ الخطاب في قوله عزّ شأنّه : « ائتيا طَوْعًا أو كَرْها » ( 2 ) من مشاهدة جمال القهر ما طربت له السماء طربا رقصها ، فهي بعد ذلك في ذلك الرقص والنشاط ، وغشي به على الأرض لقوّة الوارد ، فهي ملقاة مطروحة على البساط ، فسريان لذّة القهر هو الذي عبدهما ، ومشاهدة لطف الجلال هي التي سلبت أفئدتهما ، حتّى قالا قول الوامق ذي الحنين : « أتَيْنا طائعين » ( 3 ) .
على أنّه قد ذهب جمع من المفسّرين في هذه الآية ، وهي قوله تعالى : « ثُمَّ اسْتَوى إلى السَماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلأَرْضِ ائْتِيا طَوْعا أو كَرْها قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ » ( 4 ) إلى إجراء الكلام على ظاهره ، فإنّه ليس بمستبعد من الله إبداع الحياة والفهم في أيّ جسم فرض ، ولهذا قال : « طائعين » على لفظ جمع المذكر السالم المختّص بالعقلاء ولم يقل : « طائعات » ، لأنّ جمع المؤنثّ السالم لا يختصّ بالعقلاء ، ووجه الجمع أنّ أقلّ الجمع اثنان ، أو لأنّ كلّ واحد منهما سبع ، وفي ظاهر كثير من الآيات والروايات ما يشعر بهذا المعنى .
قال شيخنا البهائي قدّس سرّه : ولا استبعاد في ذلك نظرا إلى قدرة الله تعالى ، إلا أنّه لم يثبت بدليل عقلي قاطع يشفي العليل ( 5 ) ، أو نقلي ساطع لا يقبل التأويل ( 6 ) انتهى .
هامش
( 1 ) سورة النجم : الآية 42 .
( 2 ) سورة فصلت : الآية 11 .
( 3 ) و ( 4 ) سورة فصلت : الآية 11 .
( 5 ) " الف " الغليل .
( 6 ) الرسالة الهلالية : ص 8 .