فَما كُلُّ ما نَطَقْتُ بِهِ عَنْ جَهْلٍ مِنّي بِسُوءِ أثَرِي ، وَلا نِسْيان لِما سَبقَ مِنْ ذَمِيمِ فِعْلي ، لكنْ لِتَسْمَعَ سَماؤُكَ وَمَنْ فِيها ، وَارْضُكَ وَمَنْ عَلَيْها ، ما أظْهَرْتُ لَكَ مِنَ النَدَمِ ، وَلَجأتُ إلَيْكَ فِيهِ مِنَ التَوْبَة ، فَلَعَلَّ بَعْضُهُمْ بِرَحْمَتِكَ يَرْحَمُني لِسُوءِ مَوْقفي ، أوْ تُدْرِكُهُ الرِقَّةُ عَلَيَّ لِسُوءِ حالِي ، فَيَنالَنِي مِنْهُ بِدَعْوَةٍ هِيَ أَسْمَعُ لديكَ مِنْ دُعائي ، أوْ شَفاعَةٍ أوْكَدَ عِنْدَكَ مِنْ شَفاعَتي ، تَكُونَ بِها نَجاتِي مِنْ غَضَبِكَ وَفوْزتِي بِرِضاك .
شرح
ومدار هذا الفصل من الدعاء على الفرار من الله إلى الله والإقبال عليه ، وتوجيه وجه النفس إلى كعبة وجوب وجوده تعالى ، وقد تقدّم الكلام على ذلك مبسوطا .
الفاء : فصيحة ، أي : إذا كان حالي على ما وصفت من فقدان الخفير والشفيع وإيجال الخطايا ، فما كلّ ما نطقت به عن جهل منّي إلى آخره . وذلك أن العبد المراقب لربّه الخائف من ذنبه إذا علم اطلاع الله تعالى عليه ، وتحقّق أن لا منجى منه إلا إليه ، امتلأ قلبه هيبة ، وانقبضت نفسه حياء ، وارتعدت فرائصه رهبة ، فاقتضى ذلك أن لا يطاوعه لسانه بلفظ ولا جنانه بمعنى ولا جوارحه بحركة ، فإن فعل شيئا من ذلك فعله تكلَّفا وتعاطاه تعسّفا ، ولذلك قال بعضهم : ينبغي لمن ذكر ذنبا أن ييبس لسانه على حنكه من خشية الله تعالى .
وفي دعائهم عليهم السّلام : اللهم إنّ كثرة الذنوب تكفّ أيدينا عن انبساطها إليك بالسؤال ، والمداومة على المعاصي تمنعنا من التضرّع والابتهال ( 1 ) .
فكأنّه عليه السّلام خشي أن ينكر عليه اتّساعه في الكلام بالتوبة ، واسترساله في النطق بطلب المغفرة ، فأخذ في الاعتذار عن ذلك وبيان الباعث له عليه .
وأمّا ما قيل من أنّ المعنى : أنّ نطقي بما نطقت به لم يكن عن جهل بقبح عملي ،
هامش
( 1 ) مفتاح الفلاح : ص 259 .