شرح
والفاء من قوله : « فاجعل » : سببيّة .
وجعل : بمعنى صيّر ، والمنصوبان بعده مفعولان .
وجملة « لا أحتاج » : في محلّ نصب صفة لتوبة ، وهي ثاني مفعولي اجعل .
وتوبة الثانية بدل من الأولى بدل ( 1 ) كلّ ، أو عطف بيان عند من يرى انّه يكون بلفظ الأوّل وهم الجمهور ، خلافا لابن الطراوة وابن مالك ( 2 ) .
وموجبة : من أوجبت الشيء إيجابا : إذا جعلته واجبا أي : لازما ، ومنه :
« موجبات رحمتك » ( 3 ) .
ومحو ما سلف : أي مضى من الذنوب ، والمراد بمحوه : إمّا العفو والتجاوز عنه ، أو محوه وإزالته من ديوان الحفظة الذين كتبوه عند صدوره منه .
والسلامة : الخلوص من الآفات ، والمراد : السلامة من الذنوب فيما بقي من العمر .
ومدار هذا الفصل من الدعاء على سؤاله عليه السّلام الثبات على توبته ، وحسم أسباب نقضها ، وجعل توبته مانعة من العود إلى ذنب بعدها ، كافية في العفو عمّا سلف منه ، واقية باجتناب ما يجب الاجتناب عنه ، ولا ريب في أنّ التوبة إذا كانت بهذه المثابة كانت أنجح وأنصح ، كما يدلّ عليه ما رواه ثقة الإسلام بسنده عن أبي عبد الله عليه السّلام أنه قال : إنّ الله يحبّ العبد المفتن التّوّاب ومن لا يكون ذلك منه كان أفضل ( 4 ) .
قال الزمخشري في الفائق : المفتن : الممتحن الذي فتن كثيرا ( 5 ) .
وقال ابن الأثير في النهاية : ومنه الحديث : المؤمن خلق مفتتنا توّابا ، أي : ممتحنا
هامش
( 1 ) " الف " : من كل .
( 2 ) لم نعثر عليه .
( 3 ) النهاية لابن الأثير : ج 5 ص 153 .
( 4 ) الكافي : ج 2 ص 435 ح 9 ، وفيه : لم يكن ذلك
( 5 ) الفائق في غريب الحديث : ج 3 ص 150 .