شرح
الأدلَّة وأزاح العلَّة ، ومن غاية شفقة الوالدين أنّهما لا يحسدان ولدهما إذا كان خيرا منهما بل يتمنّيان ذلك ، بخلاف غيرهما فإنّه لا يرضى أن يكون غيره خيرا منه .
إذا عرفت ذلك ، فمن عظيم الجهل ما حكي أنّ بعض المتسمّين بالحكمة كان يضرب أباه ويقول : هو الذي أدخلني في عالم الكون والفساد ، وعرضني للفقر والعمى والزمانة ( 1 ) .
وما روي عن أبي العلاء المعرّي أنّه أمر أن يكتب على قبره هذا الشعر .
هذا ما جناه أبي عليّ * وما جنيت على أحد ( 2 )
وقال في ترك التزوّج والولد .
وتركت فيهم نعمة العدم التي * سبقت وصدّت عن نعيم العاجل
ولو أنّهم ولدوا لعانوا شدّة * ترمي بهم في موبقات الآجل ( 3 )
وقال بعض الحكماء :
قبّح الله لذّة قد تولَّت * نالها ( 4 ) الامّهات والاباء
نحن لولا الوجود لم نألم الفقد * فإيجادنا علينا بلاء ( 5 )
وهذا كلَّه جهل منهم بنعمة الوجود المستتبعة لجميع النعم والمنافع في الدارين .
ويحكى أنّ الإسكندر كان يعظَّم أستاذه أكثر من تعظيمه والده ، فقيل له في ذلك ، فقال : إنّ الأستاذ أعظم منه ، لأنّه تحمّل أنواع الشدائد والمحن عند تعليمي حتّى أوقعني في نور العلم ، وأمّا الوالد فإنّه طلب لذّة الوقاع لنفسه فأخرجني إلى آفاق عالم الكون والفساد ( 6 ) .
هامش
( 1 ) و ( 2 ) تفسير روح المعاني : ج 15 ص 61 .
( 3 ) تفسير روح المعاني : ج 15 ص 61 .
( 4 ) ( الف - ج ) : أدركتها .
( 5 ) تفسير روح المعاني : ج 15 ص 61 .
( 6 ) تفسير روح المعاني : ج 15 ص 61 .