وَقَدْ قُلْتَ يا إلهي فِي مُحْكَمِ كِتابِكَ إنَّكَ تَقْبَلُ التَوْبَةَ عَنْ عِبادِكَ وَتَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ وَتُحِبُّ التّوابِينَ ، فَاقْبَلْ تَوْبَتِي كَما وَعَدْتَ ، وَاعْفُ عَنْ سَيِّئاتِي كَما ضَمِنْت ، وَأوْجِبْ لِي مَحَبَّتَكَ كَما شَرَطْتَ .
شرح
وقد روى محدّثوا الإماميّة عن أئمّة أهل البيت عليهم السّلام أحاديث متكثّرة في أنّه لا تقبل التوبة عند حضور الموت وظهور علاماته ومشاهدة أهواله .
وربّما علَّل ذلك بأنّ الإيمان برهاني ، ومشاهدة تلك العلامات والأهوال في ذلك الوقت تصيّر الأمر عيانا فيسقط التكليف ، كما أنّ أهل الآخرة لمّا صارت معارفهم ضروريّة سقطت التكاليف عنهم .
قال بعض المفسّرين : ومن لطف الله بالعباد أن أمر قابض الأرواح بالابتداء في نزعها من أصابع الرجلين ، ثمّ تصعد شيئا فشيئا إلى أن تصل إلى الصدر ، ثمّ تنتهي إلى الحلق ، ليتمكّن في هذه المهلة من الإقبال على الله تعالى ، والوصيّة ، والتوبة ما لم يعاين ، والاستحلال ، وذكر الله سبحانه فتخرج روحه وذكر الله على لسانه فيرجى بذلك حسن خاتمته ، رزقنا الله ذلك بمنّه وكرمه ( 1 ) .
قوله عليه السّلام : « محكم كتابك » إمّا من باب إضافة الصفة إلى الموصوف ، أي : كتابك المحكم ، لقوله تعالى : « كِتابٌ احْكِمَتْ آياتُهُ » ( 2 ) .
والمراد بإحكامه : إتقانه وعدم تطرّق النقض والاختلال إليه .
وإضافة الصفة إلى الموصوف جائزة في الفصيح عند الكوفيّين ، ومال إلى ذلك جماعة من المحقّقين ، والحقّ أنّه كثير لا يمكن دفعه ، وتأويل كلّ ذلك تكلَّف .
وإمّا من باب إضافة النوع إلى الجنس ، فإن من القرآن ما هو محكم ومنه ما هو متشابه ، قال تعالى : « هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ وَاخَرَ مُتَشابِهاتٌ » ( 3 ) .
هامش
( 1 ) كتاب الأربعين للشيخ البهائي : ص 170 - 172 .
( 2 ) سورة هود : الآية 1 .
( 3 ) سورة آل عمران : الآية 7 .