شرح
إذا عرفت ذلك فقوله عليه السّلام : « متنجزّا وعدك » أي : مقدّرا تنجّز وعدك ، كقوله تعالى : « فادْخُلُوْها خالِدينَ » ( 1 ) ، أي : مقدّرين خلودكم ، لأنّ زمن الخلود لا يتصوّر مقارنته للدخول ، فلم يبق إلا تقديره .
وقد أحسن من عبّر عن الحال المقدّرة بأنّها ما يصحّ تقديرها بالفعل ولام كي ، نحو : رقى زيد المنبر خاطبا ، أي : ليخطب ، وكذلك الآية المذكورة ، فإنّ التقدير فيها :
ادخلوها لتخلدوا ، وبهذا ينكشف معنى التقدير الذي ذكرناه في متنجّزا ، إذ حاصل معناه : لا نال منك الإجابة وفاء بالوعد .
قوله عليه السّلام : « إذ تقول ادعوني أستجب لكم » إذ : اسم زمان للماضي ، وهي هنا ظرف للأمر والوعد من قوله : أمرت به ووعدت به ، فهما العاملان فيها على طريق التنازع ، والفعل المستقبل بعدها ماض في المعنى ، أي : إذ قلت ، جاء بصيغة الاستقبال لحكاية الحال الماضية لاستحضار صورتها حتّى كأنّ الأمر والوعد وقعا الآن بحضوره ، ومثله في التنزيل كثير كقوله تعالى : « وَإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ » ( 2 ) ، « إذْ يُغَشِّيكُمُ النعاسَ » ( 3 ) ، « وَإذْ يَعِدُكُمْ اللهُ » ( 4 ) ، « وَإِذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ » ( 5 ) ، فالفعل في كلّ ذلك مستقبل لفظا لا معنى .
وجملة « تقول » في محلّ جرّ بإضافة « إذ » إليها ، والجملة المحكيّة بالقول - أعني قوله تعالى : « ادعوني أستجب لكم » - في محلّ نصب بتقول .
والآية في سورة المؤمن ، واتّفق أنّ المحكي بالقول منها هنا وقع محكيّا بالقول في الآية أيضا ، وهي قوله تعالى : « وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُوني أسْتَجِبْ لَكُمْ إنَّ الَّذينَ يَسْتَكْبرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخرِين » ( 6 ) . وقد وقع فيها الأمر بالدعاء
هامش
( 1 ) سورة الزمر : الآية 73 .
( 2 ) سورة الأحزاب : الآية 37 .
( 3 ) سورة الأنفال : الآية 11 .
( 4 ) سورة الأنفال : الآية 7 .
( 5 ) سورة البقرة : الآية 127 .
( 6 ) سورة غافر : الآية 60 .