شرح
وقوله عليه السّلام : « فيما أمرت به » بيان لمحلّ الإطاعة أو محلّ الأمر ، وعلى الأوّل هو لغو ، كقوله تعالى : « لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأمْرِ » ( 1 ) ، وعلى الثاني مستقرّ ، أي : لأمرك كائنا فيما أمرت ، وقس عليه قوله عليه السّلام : « متنجّزا وعدك فيما وعدت » .
وإيثار التعبير بذلك على أن يقول : مطيعا لأمرك بالدعاء ، أو لما أمرت به من الدعاء ، سلوك لطريق الإبهام ثمّ التفسير ، الدالّ على التفخيم والتعظيم كما قرّر في محلَّه ، مع ما فيه من بسط الكلام حيث الإصغاء مطلوب .
وتنجّز الوعد : استنجزه أي : طلب وفاءه ، كما يقال : تكبّر واستكبر . ونصب متنجزا على الحال كما انتصب عليها مطيعا ، إلا أنّ مطيعا حال من فاعل جئتك ، ومتنجزا حال من الضمير في مطيعا ، وهو العامل فيها ، وهذه هي الحال المسمّاة بالمتداخلة .
ومعنى التداخل : أن تكون الحال الثانية حالا من ضمير في الحال الأولى ، هذا عند من منع تعدّد الحال مع اتّحاد عاملها وصاحبها قياسا على الظرف ، وهو الفارسي وابن عصفور وجماعة ، وأجازه الأخفش وابن جنّي ، ووافقهما جمهور المتأخّرين كابن مالك والرضي وابن هشام ، وعليه فلا تداخل .
غير أنّ متنجزا على كلّ تقدير حال مقدّرة ، وهي المستقبلة ، بمعنى أنّ زمان عاملها قبل زمانها ، ومطيعا حال مقارنة لعاملها ، لأنّ الإطاعة مقارنة للمجيء وتنجّز الوعد لا يكون إلا بعد إطاعة الأمر بالدعاء ، ألا ترى من قال لك : جئني أكرمك ، لا تتنجّز منه الوعد بالإكرام إلا بعد المجيء فكذا قوله تعالى : « ادْعُوني اسْتَجِبْ لَكُمْ » ( 2 ) لا تطلب منه الإجابة إلا بعد الدعاء .
هامش
( 1 ) سورة الحجرات : الآية 7 .
( 2 ) سورة غافر : الآية 60 .