شرح
وقيل : في محلّ رفع على أنّها خبر المبتدأ وهو « أنا » ، واسم الإشارة تأكيد للمبتدأ . وكأنّ القائل بذلك توهّم التأكيد اللفظي بإعادة المرادف .
وقيل : خبرثان .
والصحيح أنّ « ذا » هو الخبر والجملة بيان ، كأنّه لمّا قال : ها انا ذا ، قيل له :
كيف أنت ، فقال : قد جئتك . ولك أن تجعلها مبيّنة من غير تقدير سؤال .
فإن قلت : كيف يحمل « ذا » على « أنا » وهما عبارة عن ذات واحدة هنا ، والحمل يقتضي التغاير ؟ .
قلت : إنّما حمل عليه باعتبار التغاير الآتي من قبيل البيان بقوله « قد جئتك » ، تنزيلا لتغاير الصفة منزلة تغاير الذات ، فإنّ قوله : « ها أنا ذا » معناه : فها أنا بعد ذلك المنيب الراجع إليك ، لدلالة الكلام من قوله : « قد جئتك » عليه ، فوضع اسم الإشارة الموضوع للذات موضع الصفة ، للإيذان بالمبالغة في إنابته ورجوعه ، حتّى كأنّه شخص آخر غير ذلك الشخص الذي كان متّصفا بتلك الصفات ، ألا ترى أنّك تقول لمن خرج من عندك بوصف ورجع إليك بوصف آخر : رجعت بغير الوجه الذي خرجت به ، أي : رجعت على صفة غير الصفة التي خرجت بها ، وغرضك بذلك الكناية عن تغاير الذات ، كأنّك تقول : ذهب بك وجئ بغيرك ، وما ذلك إلا بحسب الوصف مبالغة .
ومعنى مجيئه إليه تعالى : إنابته إليه وإقباله عليه وإخلاصه له تعالى على طريقة التمثيل ، كما قال تعالى : « إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ » ( 1 ) .
ومطيعا لأمرك أي : ممتثلا له .
قال ابن فارس : إذا مضى لأمره فقد أطاعه إطاعة ، وإذا وافقه فقد طاوعه ( 2 ) .
هامش
( 1 ) سورة الصافات : الآية 84 .
( 2 ) معجم مقاييس اللغة : ج 3 ص 431 مع تقديم وتأخير .