فَأقْبَلَ نَحْوَكَ مُؤَمِّلا لَكَ مُسْتَحْييًا مِنْكَ ، وَوَجَّهَ رَغْبَتَهُ إلَيْكَ ثِقَةً
شرح
وفي التعرّض لعنوان الربوبيّة مزيد تعظيم لما ارتكبه من المعاصي .
والفاء من قوله : « فرأى » : للسببيّة .
والرؤية هنا : بمعنى العلم ، أي : فعلم كبير عصيانه كبيرا ، يقال : رأيته عالما ، يستعمل بمعنى العلم والظنّ فيتعدّى إلى مفعولين ، ورأيت زيدا : أبصرته ، يتعدّى إلى مفعول واحد ، لأنّ أفعال الحواسّ إنّما تتعدّى إلى مفعول واحد ، فإن رأيته على هيئته نصبته على الحال وقلت : رأيته قائما :
وفي رواية ابن إدريس : « فرأى كثير عصيانه كثيرا » بالثاء المثلَّثة في الموضعين .
والفرق بين الكبير والكثير : أنّ الكبير بالموحدّة بحسب الشأن والخطر كالجليل والعظيم ، والكثير بالمثلَّثة بحسب الكميّة والعدد . وأيضا الكبير نقيض الصغير ، والكثير نقيض القليل .
والمعنى : انّه بسبب إحصائه ما ظلم به نفسه ، وتفكّره فيما خالف به ربّه ، علم كبر كبير عصيانه أو كثرة كثيره ، وعلم جلالة جليل مخالفته ، بعد جهله بذلك أو غفلته عنه ، لعدم ضبطه له وتفكّره فيه .
ويحتمل أن يكون التنكير في قوله : « كبيرا » و « جليلا » للتهويل والتعظيم ، والمعنى : أنّه علم كبير عصيانه الذي كان يعلم كبره ، وجليل مخالفته الذي كان يعلم جلالته ، كبيرا هائلا مخوفا وجليلا فظيعا بالغا في الجلالة حدّا لا يعرف .
قال بعضهم : ويمكن أن يكون المعنى : رأى الكثير الذي كان يعرف كثرته أكثر بإضافة ما كان مانعا من رؤيته وتركه ، أو رأى ذلك الكثير أكثر باعتبار التوجّه إلى تركه والإقلاع عنه ، وهذان يظهران من التنكير ، ومثله كبير كما في الأصل وجليل ، انتهى ، والله أعلم .
أقبل : خلاف أدبر ، أي : توجّه .
والنحو في الأصل : مصدر بمعنى القصد ، يقال : نحوت نحوك أي : قصدت