حَتَّى إذَا انْفَتَحَ لَهُ بَصَر الهُدَى ، وَتَقَشَّعَتْ عَنْهُ سَحائبُ العَمى ، أحْصى مَا ظَلَمَ بِهِ نَفْسَهُ ، وَفَكَّرَ فِيْما خَالَفَ بِهِ رَبَّهُ ، فَرَأى كَبيرَ عِصْيانِهِ كَبيرا ، وَجَليلَ مُخَالَفَتِهِ جَليلا .
شرح
للجاهل بقدرتك عليه ، أو مماثلا للمنكر زيادة إحسانك إليه ، فإنّ من يقصّر عن أوامر الله تفريطا ويتعاطى نواهيه تغريرا ، لا يكون إلا جاهلا بقدرته تعالى عليه ، أو منكرا لفضل إحسانه إليه ، وإن لم يكن جاهلا ولا منكرا لذلك ، بل كان عالما ومعترفا به ، فلم يخف ولم يشكر بل ركب ذلك الفعل القبيح ، فقد فعل فعل الجاهل أو المنكر ، فصدق أنّه شبيه له ومماثل إيّاه .
وغرضه عليه السّلام من هذا التشبيه الاعتراف باجترائه على ما ارتكب مع العلم بقدرة الله عليه ، والاعتراف بفضل إحسانه إليه حتّى كأنّه جاهل أو منكر لذلك . وحاصله : مزيد الإقرار بالذنب والعصيان ، المندوب إليه عند طلب العفو والغفران .
وفي كلام أمير المؤمنين عليه السّلام من خطبة له في نهج البلاغة : وإنّ العالم العامل بغير علمه كالجاهل الذي لا يستفيق من جهله ، بل الحجّة عليه أعظم ، والحسرة له ألزم ، وهو عند الله ألوم
( 1 ) . حتّى : غاية لقوله : « فقصّر » ، وقد تقدّم الكلام عليها مبسوطا في الروضة الثانية عشرة ، عند قوله عليه السّلام : « حتّى إذا رأى مدّة العمل قد انقضت » ، فليرجع إليه .
وانفتاح بصر الهدى له : عبارة عن تنبّهه لمشاهدة الحقّ بعين بصيرته بعد أن كان عاشيا عنه .
وتقشّع سحائب العمى عنه : عبارة عن زوال غفلات الضلال عنه بعد غشيانها له .
هامش
( 1 ) نهج البلاغة : ص 164 الخطب 110 .