هَذا مَقامُ مَنْ تَداوَلْتَهُ أيْدي الذُنوبِ ، وقادَتْهُ أزمَّةُ الخَطايا ، وَاسْتَحوَذَ عَلَيْهِ الشَيْطانُ ، فَقَصَّرَ عَمّا أمَرْتَ بِهِ تَفْريطًا ، وَتَعاطى ما نَهَيْتَ عَنْهُ تَغْريرًا ، كالْجاهِلِ بِقُدْرَتِكَ عَلَيْهِ ، أوْ كَالمُنكِرِ فَضْلَ إحْسانِكَ إلَيْهِ .
شرح
بنور العيان ، وحصلت الراحة والاطمئنان ، وزال الخوف وظهرت تباشير الأمن والأمان ، وهذا المقام من مقامات أصحاب النهايات لا من أحوال أرباب البدايات ، « ألا إنّ أوْلِياءَ اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ » ( 1 ) ، والله أعلم بمقاصد أوليائه .
قام يقوم قوما وقياما انتصب ، واسم الموضع المقام بالفتح ، وأقمته إقامة واسم الموضع المقام بالضمّ ، وقد وردت الرواية في الدعاء بالوجهين .
وتداولته الأيدي : أخذته هذه مرّة وهذه مرّة .
والكلام استعارة بالكناية ، شبّه الذنوب بالقوم بجامع التصرّف ، وأثبت لها الأيدي تخييلا ، ورشّح ذلك بالتداول .
وقاد البعير قودا - من باب قال - وقيادا بالكسر : جرّه خلفه .
والأزمّة : جمع زمام ، وهو ما يوضع في أنف البعير من حبل أو سير ليقاد به .
وإضافتها إلى الخطايا كإضافة الأيدي إلى الذنوب ، فالكلام استعارة مكنيّة ، كأنّ كلّ خطيئة وضعت في أنفه زماما فهي تقوده بزمامها .
وإسناد القود إلى الأزمّة مجاز عقلي لملابسة الزمام للقائد . ويحتمل أن يكون من باب التشبيه كلجين الماء ، أي : قادته الخطايا التي هي في التذليل كالأزمّة .
واستحوذ عليه الشيطان : غلبه واستماله إلى ما يريده منه واستولى عليه .
وقصّر عن الأمر تقصيرا وأقصر إقصارا : انتهى وكفّ عنه . وفي رواية : « فيما أمرته » ، وهو من قصّر في الحاجة تقصيرا أي : توانى فيها .
هامش
( 1 ) سورة يونس : الآية 62 .