شرح
المحو ، فإنّ كلّ معصية يفعلها الإنسان تحصل منها ظلمة في قلبه ، كما تحصل من نفس الإنسان ظلمة في المرآة ، فإذا تراكمت ظلمة الذنوب صارت رينا ، كما يصير بخار النفس عند تراكمه على المرآة صداء ، وإذا تراكم الرين صار طبعا ، فيطبع على قلبه كالخبث على وجه المرآة إذا تراكم بعضه فوق بعض وطال مكثه وغاص في جرمها وأفسدها فصارت لا تقبل الصقل أبدا ، وقد يعبّر عن هذا بالقلب المنكوس والقلب الأسود ، كما روي عن الباقر عليه السّلام : ما من شيء أفسد للقلب من خطيئة ، إنّ القلب ليواقع الخطيئة فلا تزال به حتّى تغلب عليه فيصير أعلاه أسفله ( 1 ) .
وعنه عليه السّلام : ما من عبد إلا وفي قلبه نكتة بيضاء ، فإذا أذنب ذنبا خرج في النكتة نكتة سوداء ، فإن تاب ذهب ذلك السواد ، وإن تمادى في الذنوب زاد ذلك السواد حتّى يغطَّي البياض ، فإذا غطَّي البياض لم يرجع صاحبه إلى خير أبدا ، وهو قول الله عزّ وجلّ : « كَلا بَلْ رَانَ عَلى قُلُوبهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ » ( 2 ) .
فقوله عليه السّلام : لم يرجع صاحبه إلى خير أبدا يدلّ على أنّ صاحب هذا القلب لا يرجع عن المعاصي ولا يتوب منها أبدا ، ولو قال بلسانه : تبت إلى الله يكون هذا القول منه مجرّد تحريك اللسان من دون موافقة القلب ، فلا أثر له أصلا ، كما أنّ قول الغسّال : غسلت الثوب لا يصيّر الثوب نقيّا من الأوساخ ، وربّما يؤول صاحب هذا القلب إلى عدم المبالاة بأوامر الشريعة ونواهيها ، فيسهل أمر الدين في نظره ، ويزول وقع الأحكام الإلهيّة من قلبه ، وينفر عن قبولها طبعه ، وينجرّ ذلك إلى اختلال عقيدته وزوال إيمانه ، فيموت على غير الملَّة ، وهو المعبّر عنه بسوء الخاتمة ،
هامش
( 1 ) الكافي : ج 2 ص 268 باب الذنوب ح 1 .
( 2 ) الكافي : ج 2 ص 273 باب الذنوب ح 20 .