تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين ( ع ) — صفحة 382

مساهمون:

ص٣٨٢
شرح
الثالث : قال شيخنا البهائي قدّس سرّه : لا ريب في وجوب التوبة على الفور ، فإنّ الذنوب بمنزلة السموم المضرّة بالبدن ، وكما يجب على شارب السمّ المبادرة إلى الاستفراغ تلافيا لبدنه المشرف على الهلاك ، كذلك يجب على صاحب الذنوب المبادرة إلى تركها والتوبة منها تلافيا لدينه المشرف على الاضمحلال ( 1 ) . قال : ولا خلاف في أصل وجوبها سمعا ، للأمر الصريح بها في القرآن ، والوعيد الحتم على تركها فيه ، قال تعالى : « يا ايُّها الَّذينَ آمَنُوا تُوبُوا إلى الله تَوْبَةً نَصُوحا » ( 2 ) ، وقال : « ومنْ لَم يتُبْ فأولئك هُمُ الظالِمُونَ » ( 3 ) . وإنّما الخلاف في وجوبها عقلا ، فأثبته المعتزلة لدفعها ضرر العقاب ، وهذا كما لا يخفى لا يدلّ على وجوب التوبة عن الصغائر ممّن يجتنب الكبائر ، لأنّها تكفّره حينئذ ، ولهذا ذهب البهشميّة إلى وجوبها عن الصغائر سمعا لا عقلا ، نعم الاستدلال بأنّ الندم على القبيح من مقتضيات العقل الصحيح يعمّ القسمين . وأمّا فوريّة الوجوب فقد صرّح به المعتزلة ، وقالوا : يلزم بتأخيرها ساعة إثم آخر تجب التوبة منه أيضا ، حتّى أنّ من أخّر التوبة عن الكبيرة ساعة واحدة فقد فعل كبيرتين ، وساعتين أربع كبائر ، الأوليان وترك التوبة عن كلّ منهما ، وثلاث ساعات ثمان كبائر ، وهكذا . وأصحابنا يوافقونهم على وجوب الفوريّة ، لكنّهم لم يذكروا هذا التفصيل فيما رأيته من كتبهم الكلاميّة . الرابع : قال بعض أرباب القلوب : الناس في التوبة على أحوال : رجل مسوّف بالتوبة مدافع بها ، اغترّ بطول الأمل ونسي هجوم الأجل ، فهذا متى أدركه الموت أدركه على الإصرار فهو هالك .
هامش
( 1 ) كتاب الأربعين للشيخ البهائي : ص 168 . ( 2 ) سورة التحريم : الآية 8 . ( 3 ) سورة الحجرات : الآية 11 .