تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين ( ع ) — صفحة 380

مساهمون:

ص٣٨٠
شرح
ولا بأس قبل الكلام على شرح الدعاء بتقديم مباحث : الأوّل : التوبة لغة : الرجوع ، واصطلاحا : الندم على الذنب لقبحه ، فخرج الندم على شرب الخمر مثلا لإضراره بالجسم ، وبيان المناسبة بين المعنيين : أنّ الله سبحانه هو الذي ابتدأ بالنعمة على عبد قبل الاستحقاق ، وفطر العبد على طاعته في الابتداء ، فإذا ندم العبد على إساءة بدرت منه فقد رجع إلى الله فيما كانت فطرته عليه ، ورجع الله له إلى ما كان من إحسانه إليه ، فسمّي الندم إذا كان تلافيا للعقاب توبة . وإنّما قلنا : فطر العبد على طاعته ، لأنّ الذنب بمنزلة المرض العارض في النفس ، والتوبة بمنزلة معالجتها حتّى تعود إلى صحّتها ، فكما أنّ الغالب على أصل الأمزجة في الأنفس هو الصحّة ، وإنّما يعرض المرض بأسباب مغيّرة وعلل مؤذية ، فكذلك كلّ إنسان يولد على الفطرة ويدرك على الصلاح والرشد ، والله أعلم . الثاني : قال بعض العلماء : التوبة تنتظم من أمور ثلاثة : علم وحال وعمل . أمّا العلم فهو اليقين بأنّ الذنوب سموم مهلكة وحجاب بين العبد ومحبوبه ، وهذا اليقين يثمر حالة ثانية هي التألَّم لفوات المطلوب والتأسف من فعل الذنوب ، ويعبّر عن هذا الحالة بالندم ، وهي تثمر حالة ثالثة هي ترك الذنوب في الحال ، والعزم على عدم العود إليها في الاستقبال ، وتدارك في الماضي من حقوق الله تعالى ، مثل الصلاة والصيام والزكاة ونحوها ، ومن حقوق الناس ، مثل ردّ المال إلى صاحبه أو وارثه ، وطلب الإبراء في الغيبة ، وتسليم النفس في القصاص إلى وليّه ليقتصّ منه أو ليعفو عنه ، ولو لم يمكنه ذلك كان عليه أن يكثر من العبادة ، ليبقى له قدر الكفاية في القيامة بعد أخذ حقوقهم منها . وهذه الأمور مترتّبة في الحصول ، ويطلق اسم التوبة تارة على مجموعها ، وتارة على الندم وحده ويجعل العلم كالمقدّمة والترك كالثمرة ، فيكون الندم محفوفا