شرح
قيل لبعضهم وقد رئي عليه أثر الجوع والضرّ : لِمَ لا تسأل الناس يطعمونك ؟ فقال : عساهم يمنعون فلا يفلحون ، وقد بلغني الحديث : لو صدق السائل ما أفلح من منعه ( 1 ) . قوله عليه السّلام : « وأعنّي على صحبتهم بحسن الصبر » الصبر : قوّة ثابتة وملكة راسخة بها تقدر النفس على تحمّل الأمور الشاقّة ومقاومة الهوى ، ولذلك قيل : الصبر صبران : صبر على البلاء ومنه الرضا بالقضاء ، وهو الذي يستوجب به العبد من ربّه الثواب ، وصبر في النعماء وعمّا يدعو إليه الهوى مع القدرة عليه والتمكّن منه ، وهو صبر يدرأ عنه العذاب ويهوّن عليه الصعاب .
والمراد بحسن الصبر : انشراح الصدر له واطمئنان النفس به ، بحيث لا يخالطه اضطراب وانزعاج ، هذا .
ولمّا كان كثير من المترفين وأرباب النعم من يتكلَّف ويتجشّم صحبة الفقراء والزّهاد ، بتقريبهم وإجلالهم بمقدار ما يعدّون من جملة الأخيار ، من غير أن يتخلَّقوا بأخلاقهم ويتأدّبوا بآدابهم ويقوموا بحقوق صحبتهم ، فهم يرضون من الجسم بالاسم ومن الحميم بالشميم ، سأل عليه السّلام ربّه إعانته بحسن الصبر على صحبتهم ، إذ كان فيها من المشاقّ ما لا خفاء به ، فإنّ من حقّ الصحبة مع الأصحاب مطلقا طلاقة الوجه والبشاشة ، والكلام والسّلام ، والمصافحة والمعانقة والمواكلة ، وتحصيل ما يحتاجون إليه ، ودفع ما يغتمون منه ، ومخالفة من خالفهم ، ومرافقة من رافقهم ، وتعظيمهم وتوقيرهم ، وعدم التهجّم عليهم ، والصفح عن عثراتهم ، ومداراتهم ، وأن لا يحتجب عنهم ولا يهجرهم ، ويبسط لهم معروفه ، ويعاشرهم ببسط الكفّ ، وصدق الوعد ، ودوام العهد ، وحفظ الأسرار ، وإيثار الإرفاق ، وقبول العذر ، واحتمال
هامش
( 1 ) آداب النفس : ج 2 ص 21 .