شرح
ثانيها : أنّهم رحمة للأغنياء وإذكار لأرباب النعم ، ليكون كلّ عاقل منهم إذ فكّر فيهم واعتبر بأحوالهم ، علم بأنّ الذي أعطاه هو الذي منعهم ، ويعلم أنّه لم يكن للغني عند الله يد وإحسان كافأه بهما ، ولا لواحد من هؤلاء الفقراء عند الله ذنب جازاه عليه ، فإذا فكّر الأغنياء واعتبروا أحوال الفقراء عرفوا حسن مواقع النعم عندهم ، فيزدادون الله شكرا يستوجبون به المزيد في الدنيا والأجر في الآخرة .
ثالثها : أنّ أهل الدين ومن يؤمن بالآخرة من الأغنياء ، إذا نظروا إليهم واعتبروا أحوالهم يزدادون يقينا بالآخرة ، ويعلم كلّ عاقل منهم أنّ من بعد هذه الحياة الدنيا دارا أخرى ، يجازى فيها هؤلاء المؤمنون بما صبروا على مصائب أمور الدنيا ، كما قال سبحانه : « إنّما يوفّى الصابرونَ أجرَهم بغير حسابٍ » ( 1 ) ومن الحكمة في إيجادهم أنّهم أشدّ يقينا بأمر الآخرة من غيرهم من المترفين ، وأنّهم أسرع الناس إجابة لدعوة الأنبياء من غيرهم من أرباب النعم والأغنياء ، وأنّهم أخفّ مئونة وأقلّ حوائج وأقنع باليسير ، وأنّهم أكثر لذكر الله في السرّ والعلانية ، وأرق قلوبا عند الذكر وأخلص في الدعاء لله سبحانه في السرّاء والضرّاء ، وخصال اخر كثيرة لو عددناها لطال الخطاب بها ، وإنّما ذكرنا طرفا من ذلك ، لأنّ كثيرا من الناس ولا سيّما المترفين ، إذا نظروا إليهم ظنّوا بالله ظنونا فاسدة .
فمنهم من يرى انّ الصواب كان أنهم لم يخلقوا وكان ذلك خيرا لهم ، ومنهم من يرى انّ الذي نالهم من الفقر والبؤس لسوء حظَّهم وشؤمهم وخذلانهم ، ومنهم من يرى أنّهم معاقبون بما سلف منهم في الأدوار الماضية من الذنوب ، وهذا رأي أصحاب التناسخ ، ومنهم من يرى أنّ ذلك من هوانهم على الله سبحانه ، وأنّه ليس
هامش
( 1 ) سورة الزمر : الآية 10 .